السؤال: رسالة من الأخ نزار أحمد شاه خان، يقول: ما حكم تهنئة أهل الكتاب في أفراحهم وتعزيتهم في أحزانهم؟ وما الحكم عندما يكون هذا الكتابي جاري أو صديقي ويشاركني في أفراحي وأحزاني؟

جواب فضيلة الشيخ:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد:الأساس في معاملة أهل الكتاب وغيرهم من غير المسلمين آيتان من كتاب الله عز وجل في سورة الممتحنة: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة:8-9].

فالذين لم يقاتلونا في الدين، ولم يخرجونا من ديارنا، ولم يظاهروا على إخراجنا, لم ينهنا الله أبدًا أن نبرهم، وأن نقسط إليهم، والقسط أي العدل, {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}, ليس معنى أنهم غير مسلمين أن نظلمهم، أو نأكل حقوقهم، لا، الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة:8].  لا تحملنكم شدة بغضهم لكم، أو شدة بغضكم لهم، على عدم العدل، {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ}.  

فهذا هو الذي أمرنا به الإسلام، العدل معهم، والبر بهم، والبر شيء فوق العدل؛ لأن العدل أن تعطي كل ذي حق حقه، أما البر أن تعطيه فوق حقه، وأن تتنازل عن شيء من حقك أيضًا، هذا بر، هذا إحسان، والله تعالى يأمر بالعدل والإحسان، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النحل:90].  فالله لم ينهنا أن نعدل معهم، ولا أن نحسن إليهم، بل ينبغي أن نحسن إليهم، واختار القرآن كلمة البر، وهي الكلمة التي استعملها الإسلام مع الوالدين (بر الوالدين) ، كما ورد في الحديث الصحيح، حيث سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال فقال: "الصلاة على وقتها".  قال: ثم أي؟ قال:"بر الوالدين".  قال: ثم أي؟ قال:"الجهاد في سبيل الله"(1).

وهذا ما كان عليه المسلمون، روى أنس بن مالك: أن غلامًا يهوديًّا كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: "أسلم".  فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه، فقال: أطع أبا القاسم. فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من عنده وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه بي من النار"(2).  وهذا عبد الله بن عمرو ذبح شاة، فقال: أهديتم لجاري اليهودي؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه"(3).

وجاء في الصحيحين أن أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدهم, فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: يا رسول الله، قدمت علي أمي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: "نعم، صِلِي أمَّك"(4).

فالإسلام لم يمنعنا أبدًا أن نحسن المعاملة مع زملائنا وجيراننا من غير المسلمين.  افترض أن واحدًا يدرس في أحد البلاد الأوربية أو الأمريكية وله زميل معه من غير المسلمين, أو المشرف الذي يشرف على أطروحته العلمية من غير المسلمين، ويعامله معاملة جيدة، وفي الأعياد يهنئه، فما المانع من أن يجامله المسلم؟ قال الله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء:86].

وقد رُوِي عن الشعبي أنه قال لليهودي: عليك السلام ورحمة الله؛ فقيل له تقول ليهودي: ورحمة الله؟ فقال: أليس في رحمة الله يعيش(5).

هكذا ينبغي أن نكون مع هؤلاء، أن نكون أكرم منهم، لا ينبغي أن يكونوا هم أكرم منا، هم يعاملونا بالحسنى ثم نعاملهم بالسوء؟!

الإحسان لغير المسلمين بنية تحبيبهم في الإسلام:

وينبغي للمسلم أن ينوي بذلك أن يحبب إليهم الإسلام، ويحبب إليهم المسلمين؛ فلا يمكن أن ندعوهم للإسلام ونحن نجافيهم، تقابل أحدهم فتعبس في وجهه, ويدخل عليه عيده فلا تهنئه، ويموت له ميت فلا تعزيه، وتحصل له مصيبة فلا تواسيه! الأَوْلى إذا كنتَ تريد أن تدعوه للإسلام أن تجعل بينك وبينه شيئًا من صلة، حتى يستمع إليك، ويصغي لما تقول، أما إذا أقمتَ بينك وبينه سدًّا، فلن يسمع لك، بل ربما اعتقد أن المسلمين وحوش مفترسة، وقد يُصدِّق ما يقال عن المسلمين من أنهم إرهابيون وأهل عنف، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالرفق، ونهى عن العنف، وقال: "إن الله رفيقٌ يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه"(6).  وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الرفقَ لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه"(7).

ولما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم رهط من اليهود وقالوا: السام عليك.  حرَّفوا الكلام، بدل أن يقولوا: السلام عليك.  قالوا: السام عليكم.  قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: وعليكم السام واللعنة.  قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مهلًا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله".  فقلت: يا رسول الله، أوَلم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد قلت: وعليكم"(8).  أي: هم قالوا: الموت والهلاك عليك، فقلتُ: وعليكم، أي أنا سأموت, وأنتم ستموتون، {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر:30].  الموت قضاء الله على الجميع.

فالرفق مطلوب مع هؤلاء حتى نقربهم إلينا، ونحببهم في الإسلام, وننشره فيهم، ويكون ذلك– إن شاء الله – كسبًا عظيما لنا ولهم.

........................

(1) متفق عليه: رواه البخاري في مواقيت الصلاة (527), ومسلم في الإيمان (85) ، عن ابن مسعود.

(2) رواه البخاري في الجنائز (1356) ، عن أنس بن مالك.

(3) رواه أحمد (6496) وقال مخرجوه: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأبو داود في الأدب (5152)، والترمذي في البر والصلة (1943) وقال: حسن غريب. وقد روي هذا الحديث الوصية بالجار من طرق كثيرة، وعن عدد من الصحابة، وفي الشيخين وغيرهما.

(4) متفق عليه: رواه البخاري في الجزية (3183) ، ومسلم في الزكاة (1003).

(5) تفسير الزمخشري (1/545).

(6) رواه مسلم (2593) ، عن عائشة.

(7) رواه مسلم في البر والصلة (2594) ، وأحمد (25386) ، عن عائشة.

(8) متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (6024) ، ومسلم في السلام (2165) ، عن عائشة.