نشاطات المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن:

كان المعهد العالمي للفكر الإسلامي قد أسس في واشنطن، وطفق يمارس أنشطته المختلفة، وكلها تدور حول محور كبير، وهو «أسلمة» المعرفة، بمعنى جعل المعرفة إسلامية. ففعل «أسلم» هنا متعد لا لازم، كما هو الأصل فيه.

يقال: أسلم فلان، أي دخل في الإسلام. أما هنا، فحين يقال: أسلمه: أي جعله مسلمًا. ولم ترد في المعاجم بهذا المعنى. ولهذا استغنى إخواننا عن لفظ «الأسلمة» بلفظ «الإسلامية» فتحدثوا عن «إسلامية المعرفة».

ومن المعروف: أن معرفتنا في الجملة - للأسف الشديد - غريبة الفلسفة والجذور، وكل علومنا الإنسانية والاجتماعية مترجمة أو مقتبسة من الغرب على اختلاف مدارسه.

حتى العلوم الطبيعية في فلسفتها وفي أسلوب عرضها، عليها طابع الغرب، فالطبيعة هي التي تخلق الأشياء، وتمد كل كائن حي بما يدافع به عن نفسه، وليس «الله». ولا تدخل قضية وجود الله تعالى في تفسير الوجود الكوني أو الظواهر الكونية.

لذا كانت العناية بأن تكون لنا معرفة إسلامية عميقة الجذور، بينة الفلسفة، واضحة الرؤية، مترابطة الحلقات، معروفة الغايات، هو: ما ركَّز عليه المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الذي كان د. عبد الحميد أبو سليمان هو أول مدير له، ثم تسلمه منه د. طه جابر العلواني، وعمل معهم عدد من الإخوة الباحثين والمشغولين بقضية المعرفة، مثل د. هشام الطالب، وزوجته د. إلهام، ود. جمال برزنجي، ود. محيي الدين عطية، وأنشئوا لهم فرعًا نشيطًا في القاهرة، كان مسئولًا عنه أخونا العالم الباحث النشيط المنظم الدكتور جمال الدين عطية، ثم الدكتور على جمعة بعد.

تأصيل مصادر المعرفة الإسلامية:

وكان المعهد يعمل أيضًا على تأصيل مصادر المعرفة الإسلامية من القرآن الكريم المصدر الأول للإسلام، وهو مصدر المصادر وأصل الأصول، ومن السنة النبوية المصدر الثاني للإسلام: مصدر التشريع والتقنيين، ومصدر الدعوة والتوجيه والتربية، ومصدر المعرفة والحضارة.

ونظرًا لأن القرآن لا ريب فيه ولا مراء، ولكن شبهات المشتبهين، وتخرصات المتخرصين، كلها تحوم حول السنة، حول ثبوتها، وحول حجيتها، وحول فهمها. فقد اتجهت نيات إخواننا للبدء بهذا الجانب، وإعطائه حقه، فنشروا كتاب الشيخ عبد الغني عبد الخالق رحمه الله عن «حجية السنة».

وطلبوا من شيخنا الشيخ محمد الغزالي، ومني الكتابة في كيفية التعامل مع السنة المشرفة.

كتاب «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» للغزالي:

فكتب الشيخ الغزالي رحمه الله  كتابه الشهير: «السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث» جمع فيه ما كتبه من قبل حول السنة النبوية. وما له في بعض الأحاديث من فهم خاص يخالف أفهام كثيرين من علمائنا القدامى، وتوقفه في بعض الأحاديث، ورده لبعض الأحاديث الثابتة في «الصحيحين» أو أحدهما... وعلى الرغم من أن هذه الأفكار والآراء مبثوثة في كتب الشيخ من قبل، فإن تجميعها في كتاب واحد: أبرزها ولفت الأنظار إليها بقوة، ولا سيما بعد مقال الكاتب الكبير الأستاذ فهمي هويدي في الأهرام عن الكتاب، الذي سماه «بيروسترويكا(1) إسلامية».

وزاد من شهرة الكتاب وأهميته: ردود الإخوة السلفيين عليه، ومهاجمته بعنف، منها: رد أخينا الشيخ سلمان فهد العودة، وأخينا جمال سلطان، وآخرين حوالي عشرة ردود.

وقد كتب الشيخ هذا الكتاب - كما قال لي - في نحو ثلاثة أشهر، أو حوالي ذلك، ولم يستغرق معه كثيرًا من الوقت أو الجهد. وكان الشيخ يستغرب الاهتمام بهذا الكتاب الذي لم يتعب فيه كثيرًا... وكان قد أصدر في تلك الأيام كتابه «المحاور الخمسة في القرآن» فيقول: هذا الكتاب أهم عندي من كتاب «السنة».

وقد طبع الكتاب في «دار الشروق» بالقاهرة، وطُبع منه في سنة واحدة تسع طبعات.

نشر كتابي «كيف نتعامل مع السنة النبوية»:

وكنت في ذلك الوقت (أكتوبر 1989م) قد أعددت كتابي «كيف نتعامل مع السنة النبوية» وسلّمته إلى إدارة معهد الفكر، الذي نشره بمعرفته، ولكنه لم يحدث ضجّة، مثل كتاب الشيخ الغزالي، وإن كان بعض السلفيين الواعين، قال: إن كتاب القرضاوي قد وصل إلى ما وصل إليه كتاب الغزالي، ولكن من دون ضجيج أو صراخ، وبطريقة أقرب إلى المنهجية العلمية والموضوعية، وأنا أراه أشد خطرًا من كتاب الغزالي، وأنبه إخواننا إلى ذلك.

وقد كتب عنه الأستاذ فهمي هويدي أيضًا مقالات نشرت في «الأهرام» وفي غيرها من الصحف العربية، التي تنشر مقاله الأسبوعي، في الأردن، وفي الكويت، والبحرين وقطر والإمارات وغيرها.

عرض كتابي في دورة المجمع الملكي:

وقد عرضت الكتاب في دورة المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية - أو مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي في عمان - حيث كانوا شاركوا المعهد في الطلب إلى أن أكتب في هذا الموضوع.

ونوقش الكتاب من الحضور، وهم نخبة من العلماء والمفكرين من أنحاء العالم العربي والإسلامي، وكثيرًا ما أستفيد من هذه النقاشات والمداخلات في التعديل والتحسين، فليس في العلم كبير، وفوق كل ذي علم عليم. 

.................

(1) لفظ أطلقه الرئيس الروسي جورباتشوف على منهج الإصلاح الجذري الذي اتبعه في تغيير سياسة روسيا والاتحاد السوفيتي، والذي يقوم على المصارحة والمكاشفة، وهو الذي هز العالم يومئذ.