د.يوسف القرضاوي

جعل الفقهاء عموم البلوى من المخففات، فعموم الابتلاء بالشيء دليل على أن الناس بحاجة إلى هذا الشيء. والشرع يقدر حاجات الناس، والفقهاء يقولون: الحاجة تنزل منزلة الضرورة.  وأود أن أوضح هنا: أن عموم البلوى إنما يقتضي التخفيف فيما ليس بحرام مقطوع بحرمته، أما ما هو مقطوع بحرمته، وخصوصا ما دخل في باب كبائر الإثم والفواحش – فلا ينبغي التساهل فيه، ولا مدخل هنا لتغيّر الفتوى، فإنها حين تدخل هنا يكون دخولها لتبرير الحرام، وتسويغ المنكر، وهذا لا يقبل بل يجب أن يظل الناس مشدودون إلى أصل الحلال الطيب، رافضين للحرام، منكرين للمنكر، وإن وقع عامة الناس فيه.

إنما يعمل بقاعدة عموم البلوى فيما يختلف فيه، ولا يحظى بالإجماع اليقيني، مثل: الغناء والموسيقى، ولعب الشطرنج، وإطالة الثياب في غير خيلاء وحلق اللحية، ونحو ذلك مما اختلفت فيه المذاهب، وكثُرت فيه أقوال العلماء ما بين مانع ومجيز، وذلك لاختلافهم في مدى ثبوت الأحاديث التي وردت بين من يقبلها ومن يردها، أو لاختلافهم في دلالتها، أو اختلافهم في استنباط الحكم فيما لم يرد فيه نص، مما بني على القياس، أو الاستحسان، أو الاستصلاح، أو مراعاة العرف، أو الأخذ بقول صحابي أو غير ذلك من الاعتبارات، التي تقبل المناقشة والأخذ والرد، ومن ذلك الأمثلة التالية:

كشف الرأس والأكل في الطريق:

ولذلك رأينا الفقهاء يخففون في الأشياء التي تعم بها البلوى، فكان بعضهم لا يقبل شهادة عاري الرأس مثلا، ولكن في بلاد الأندلس كانوا يقبلون شهادة عاري الرأس: لأن كثيرا من الناس كانوا يمشون عراة الرؤوس، ربما لأنهم تأثروا بمخالطة الأسبان في ذلك الوقت، فأصبحت هذه القضية لا تقدح في عدالة الشاهد أو مروءته.

حلق اللحية بين القديم والحديث:

قضية اللحية؛ هناك من العلماء من شدد في أمرها، فمنهم من قال: إنها واجب، وإن حلقها حرام، وهناك من قال: إنها سنة وإن حلقها مكروه، وفي عصرنا لا بد أن نخفف، لأن هناك بلادًا إسلامية بأسرها، نرى جمهور الناس فيها لا يطلق اللحية، فكل هؤلاء ماذا يكون موقفنا منهم؟

 هل من المقبول اعتبارهم جميعا ساقطي الشهادة؟! وأين نجد الذين يشهدون في المحاكم إذا رفضنا كل حليق؟ لا بد في عصرنا من التخفيف. (1) 

انتشار التلفزيون:

الآن أيضا، نرى ظاهرة انتشار التلفزيون في البيوت وغيرها، كان البعض يعيبون على من يشاهد التلفزيون، بل يحرّمونه، لأنه قائم على التصوير، والتصوير كله حرام، وأقول: هل من المعقول اليوم أن يوجد شخص لا يرى التلفزيون؟! ولا يتابع أخبار العالم وأخبار المسلمين فيه؟ صحيح أن فيه بعض الأغاني التي لا تليق، وبعض الصور التي لا تحل، أو ما سواها، فهذا أيضا من الأمور التي عمّت فيها البلوى.(2) ويستطيع المسلم الملتزم أن يأخذ خيره ويتجنب شره.

عمل المرأة في مختلف المجالات:

ومما عمت به البلوى في عصرنا: عمل المرأة في كثير من ميادين الحياة، ولا سيما بعد أن زاحمت الرجال في كل أنواع التعليم، الجامعي والدراسات العليا، وأضحى من النساء: الطبيبة، والمهندسة، والمحاسبة، والإدارية، والاقتصادية، والمعلمة، وخريجة العلوم والرياضيات، والأستاذة في جميع التخصصات. وأضحى كثير من النساء متفوقات في مجالاتهن المتنوعة، حتى إن منهن من يسبقن الرجال.

وهذا يتطلب من أهل الفتوى خصوصا المشددين على النساء: أن يتخلوا عن فكرة التشديد والتضييق، وأن يرحبوا بعمل المرأة بضوابطه فيما تحسنه وتتخصص فيه من مهن متعددة، وبخاصة ما كان أقرب إلى طبيعتها، وإلى خدمة بنات جنسها، ولا يجوز تغليب خوف الفتنة، والحكم بحبس المرأة جدران بيتها، وهى قادرة أن تُعلّم وتُطبب وتمرض، وتملأ الفراغ في جوانب الحياة بكفاية وأمانة ربما فاقت فيه الكثير من الرجال.

وكثيرا ما يكون عمل المرأة لسد حاجاتها هي، إذا لم يكن لها عائل ولا مورد تعيش منه، وأحيانا تلبية لحاجة أسرتها لعملها، كما قصّ علينا القرآن قصة الفتاتين اللتين سقى لهما سيدنا موسى (قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) (القصص:23).

وأحيانا أخرى يكون المجتمع هو المحتاج إلى عمل المرأة، أو لحاجته إلى عمل ينبغي أن يقوم به النساء لا الرجال، مثل: تعليم البنات، وتطبيب النساء والتمريض. وفي بعض الأقطار تقتضي ظروف الحياة وضيق الموارد: أن يعمل الزوجان معا، لإمكان قيام بيت يعيش بالحد الأدنى لما تحتاج إليه الحياة المعاصرة.

فلا ينبغي الإصرار على المقولة المحفوظة: أن المرأة خلقت للبيت، وأنه مملكتها، فإن ضرورات الحياة ومطالبها الجمة، فرضت على المرأة أن تخرج وأن تكدح من أجل أسرتها.

...............

(1) راجع ما ذكرناه عن اللحية وحكمها في كتابنا الحلال والحرام / ص 85 .

(2) راجع هذه الفتوى بالتفصيل في كتابنا فتاوى معاصرة ( ج1/ ص 694- 697) .