د. يوسف القرضاوي

للحياة الربانية أو الروحية في الإسلام خصائص تميزها عن أي حياة تنسب إلى الروح في الأديان الأخرى، كتابية أو وضعية.

والتوحيد هو أول خصائص الحياة الروحية في الإسلام، وهو أيضًا أول مقوماتها، فلا وجود لهذه الحياة بغير التوحيد، ولا تميز لها بغير التوحيد.

ومعنى التوحيد هو: إفراد الله تعالى بالعبادة والاستعانة، فلا يُعبد إلا الله، ولا يُستعان إلا بالله؛ وهذا مقتضى قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة:5) الآية التي جعلها الله تعالى واسطة عقد فاتحة الكتاب وأم القرآن، وجعلها الإمام الهروي محور رسالته "منازل السائرين، إلى مقامات: إياك نعبد وإياك نستعين" والتي شرحها ابن القيم في "مدارج السالكين".

والعبادة معنى مركب من عنصرين: غاية الخضوع للمعبود، مع غاية الحب له، كما شرحنا ذلك في كتابنا "العبادة في الإسلام"، وهي الغاية من خلق المكلفين جميعًا: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات:56)، لقد بين القرآن أن الأنبياء جميعًا بُعثوا إلى أقوامهم برسالة التوحيد: {اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (الأعراف:59)، وتحريرهم من عبادة الطاغوت أيًا كان اسمه وعنوانه، وأيًا كان شكله وصورته: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} (النحل:36).

قد يكون هذا الطاغوت المعبود من دون الله بشرًا أو جنًا مختفيًا عن الأعين، وقد يكون حيوانًا كالبقرة والعجل، وقد يكون قوة من قوى الطبيعة، وقد يكون حجرًا من الأحجار، نحته الناس وصوروه ثم عبدوه! قد يكون شيطانًا مريدًا، وقد يكون نبيًا معصومًا أو وليًا صالحًا، ولا ذنب له في عبادتهم إياه.

جاء الإسلام يحرر الناس من عبادة غير الله: عبادة الأشخاص، وعبادة الأشياء، وعبادة الأهواء، وقد قال ابن عباس: "شر إله عبد في الأرض الهوى". وكانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك النصارى وأمراء أهل الكتاب تختم بهذه الآية الكريمة: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ..} (آل عمران:64).

إن الذي أفسد الحياة، وأضل الناس، ليس هو الإلحاد، فقد كان الملحدون الجاحدون لوجود الله قلة لا وزن لها طوال عصور التاريخ؛ إنما هو الشرك، الذي جعل الناس يعبدون مع الله آلهة أخرى، يزعمون أنها شفعاؤهم عند الله. وقد غدا هذا الشرك وكرًا للكهانة والدجل، ومباءة للخرافات والأباطيل، والانحطاط بالإنسان من ذرا الكرامة إلى حضيض الهوان: {.. وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} (الحج:31).

إن الحياة الروحية كما يريدها الإسلام تقوم على التوحيد الخالص لله، وهذا التوحيد يقوم على عناصر أربعة، أشارت إليها سورة الأنعام، وهي سورة التوحيد:

أولها: ألا يبغي غير الله ربًا: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} (الأنعام:164).

وثانيهما: ألا يتخذ غير الله وليًا: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (الأنعام:14).

وثالثهما: ألا يبتغي غير الله حكمًا: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً} (الأنعام:114).

ورابعها: ألا يبتغي غير رضا الله غاية: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام:162).

فإذا اكتملت هذه العناصر، علمًا وحالًا وعملًا؛ تحقق التوحيد، الذي هو أساس الحياة الروحية، بل هو روح الوجود الإسلامي كله.

........

* من كتاب "الحياة الربانية والعلم" لفضيلة الشيخ.