في شتاء سنة 1987م جاءتني دعوة من «منتدى الفكر العربي» بعمَّان، الذي يرأسه ويوجِّهه الأمير المثقف الحسن بن طلال، ويشغل الأمانة العامة له في ذلك الوقت: الدكتور سعد الدين إبراهيم أستاذ علم الاجتماع، ومؤسس مركز ابن خلدون في القاهرة.

وقد اتصل بي د. سعد الدين، وألحّ على ضرورة حضوري، إذ إن الأمير الحسن حريص على مشاركتي، وسيكون في الندوة عدد من المعنيين بالصحوة في العالم العربي والإسلامي، وعدد من قادة الحركات الإسلامية.

وأكدت له أني عازم على المشاركة، وقد أعددت ورقة مطولة حول الموضوع المطروح، كما طلبتم مني: فقال: أرجوك أرسلها لنا بسرعة، لنطبعها ونوزعها على الأعضاء.

وقد حضرت الندوة، وقدّمت فيها ورقتي، وناقشها الحضور، وهم صفوة من المهتمين بالصحوة في العالم العربي، منهم إسلاميون مثل د. حسن الترابي، ود. محمد عمارة، ود. إسحاق الفرحان، والأستاذ كامل الشريف، ومنهم قوميون مثل د. فهد الفانك، ومنهم مسيحيون مثل د. وليم سليمان قلادة، القبطي المصري. كما شاركت بقوة في مناقشة الأوراق المقدَّمة للندوة.

حديث خاص مع الأمير الحسن بن طلال:

وفي خواتيم المؤتمر، شكرني الأمير الحسن بن طلال شكرًا خاصًّا، وتحدَّث معي حديثًا خاصًّا، وكان مما قاله لي: لقد رأيت أن وجودك معنا كان مثمرًا ومتميِّزًا، فأرجوك ألا تبتعد كثيرًا عنا.

قلت له: تعلم سيادتكم أني عضو في مؤسسة آل البيت، وأحضر إلى عمان في مناسبات كثيرة.

قال: ولكني أريد أن تقترب منا في منتدانا هذا، فنحن لا نريد عروبة مجافية للإسلام، ولا متبرئة منه.

قلت: إن العروبة الحقيقية لا تستغنى عن الإسلام ولا تنفصل عنه، والشاعر المعروف محمود غنيم يقول:

إن العروبة لفظ إن نطقت به   **   فالشرق والضاد والإسلام معناه!

والمصريون، ومثلهم المغاربة أهل الشمال الإفريقي، لا يفرقون بين عروبة وإسلام، ولا بين عربي ومسلم. فإذا قال أحدهم: اللهم انصر العرب. تعني تمامًا: اللهم انصر الإسلام والمسلمين.

قال: وهذا ما نريد أن نشيعه ونثبته، على أن يكون الإسلام الذي نتبنَّاه هو الإسلا المستنير، الإسلام المتوازن، لا إسلام المتشدِّدين الغلاة، الذين صوّروا الإسلام وكأنه غول مخيف أو وحش مفترس.

قلت: بل إسلام الوسطية والاعتدال، الذي لا غلو فيه ولا تفريط، لا طغيان ولا إخسار، كما أشار القرآن إلى ذلك في قوله: {وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ * أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ} [الرحمن: 7 - 9]، وهذا ما أؤمن به وأدعو إليه وأحرص عليه.

قال: ولهذا نريد قربك منا، لتفيدنا في بيان هذا المنهج وشرحه.

قلت للأمير: لن أتأخّر عنكم في كل ما أراه يخدم هذا المنهج، ويؤيد هذا التيار.

وشكرت للأمير موقفه وحسن اهتمامه وحفاوته بشخصي.

وكذلك قال لي د. سعد الدين إبراهيم: أشكرك على كل شيء. أشكرك على استجابتك للدعوة، وأشكرك على بحثك الكبير الذي قدّمته للندوة، وأشكرك على مشاركتك الحية في أثناء الندوة. وأرجو أن يستمر تعاونك معنا، وقد رأيت حفاوة الأمير بك، واهتمام الجميع بحضورك.

وقد رددت التحية بمثلها أو بأحسن منها، ودعوت الله أن يعيننا جميعًا على خدمة الأمة، وحسن تثقيفها في دينها ودنياها.

حوار بيني وبين د. فهد الفانك:

كان من أهم ما وقع لي في هذه الندوة: ما دار بيني وبين د. فهد الفانك من حوار، والدكتور الفانك من مثقفي الأردن المشهورين، وهو نصراني الديانة، قومي الاتجاه، تحرّري النزعة.

وقد خلا بي في إحدى الاستراحات مرحِّبًا بي، ثم قال: لقد كان لهذه الندوة ثمرات كثيرة لمسناها.

قلت ضاحكًا: منها؟

قال: منها: أننا عرفناك على حقيقتك، وغيّرنا فكرتنا عنك تمامًا.

قلت: وماذا كانت فكرتكم عني؟

قال: بصراحة، كنا نعتقد أنك شيخ متشدِّد متعصِّب، ضيِّق الأفق، غريق في التراث، لا تعرف العصر وتياراته، لا تقبل التعايش مع المخالفين من أصحاب الديانات أو المذاهب أو الاتجاهات الأخرى.

قلت: يا دكتور، هل قرأتم شيئًا من كتبي؟

قال: في الحقيقة، لا.

قلت: هل سمعتم شيئًا من محاضراتي أو خطبي؟

قال: في الحقيقة أيضًا، لا.

قلت: هل تابعتم بعض برامجي في الإذاعة أو التلفزيون؟

قال: في الحقيقة كذلك، لا.

قلت: فمن أين كونتم فكرتك عني؟

قال: لا أكذب عليك، إنما كوناها بالتسامع والتناقل من بعض الناس لبعض، وهو منهج غير سليم بلا شك.

قلت: والآن؟

قال: أصدقك القول يا شيخ يوسف: أننا غيرنا فكرتنا عنك 180درجة.

ولهذا أنصحك أن تحرص على حضور مثل هذه الندوات التي لا تقتصر على الإسلاميين وحدهم، والتي يراك فيها المخالفون من ذوي الاتجاهات المختلفة، ويعرفونك عن كثب، ويسمعون منك مباشرة، ويتحدثون معك وجهًا لوجه.

قلت: صدقت، والحديث الشريف يقول: «ليس الخبر كالعيان»(1)، والشاعر العربي يقول:

يا بن الكرام، ألا تدنوا فتبصر ما  **   قد حدثوك، فما راء كمن سمعا!

كتاب «الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي والإسلامي»:

وقد نشرت البحث الذي أعددته للندوة في كتاب تحت عنوان «الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي والإسلامي» أضفت كلمة «الإسلامي» إلى «العربي» بناءًا على أن لا تناقض بين العروبة والإسلام، وعلى أن هموم الوطن العربي عمومًا هي في الواقع هموم الوطن الإسلامي في الجملة، وكما قال شوقي رحمه الله .

....................

() رواه أحمد في «المسند» (1842)، وقال مخرجوه: صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين عن ابن عباس.