تفرغه للقضية الأفغانية:

في هذه الآونة وبالتحديد في 1410/4/25هـ الموافق 1989/11/24م، فُجعنا وفُجعت الأمة كلُّها، بما جاءنا من أفغانستان من نبأ استشهاد العالم الداعية البطل المجاهد الدكتور عبد الله عزام، الذي نذر نفسه وفكره وجهده للدفاع عن الإسلام، والجهاد في سبيل قضاياه، وبخاصَّة القضية الأفغانية التي تفرَّغ للعمل لها، والدعوة إليها، وإلى مساندة الجهاد فيها، وطاف العالم في سبيل ذلك، وهاجر هو وأسرته ليقيم في أرض الجهاد، في أفغانستان، ولبس لباسهم، وأكل طعامهم، وشارك بنفسه في جهادهم. ولقد التقينا في أمريكا أكثر من مرة من أجل مساندة القضية الأفغانية، التقينا في أكثر من مؤتمر من أجلها، حتى قدم رقبته في سبيلها.

لقد استشهد د. عزام هو وابناه محمد وإبراهيم، حيث فجَّر الأعداء سيارته وهو متَّجه إلى المسجد لإلقاء خطبة الجمعة، ودُفن يوم استشهاده، وشيعَّه الألوف من المجاهدين ومن المحبّين من الأفغان والعرب وسائر المسلمين الموجودين في بشاور، وذكر كثيرون مَّمن شيعوه أنهم شمُّوا رائحة المسك تنبعث من دمه المسفوح، كرامَةً من الله له، وليس ذلك على الله بعزيز، وما هو من الشهداء بغريب.

السعي للصلح بين فصائل المجاهدين:

ولقد لقيته هناك عدّة مرات، عندما كنا نسعى للصلح بين فصائل الجهاد، وخصوصًا الفصائل المحسوبة على الحركة الإسلامية، حكمتيار وربّاني وسيّاف ويونس خالص، وقد دعانا - ومن معي من الإخوة - إلى الغداء عنده أكثر من مرة، وصحبني لزيارة بعض القادة في منازلهم، مثل الشيخ صبغة الله المجددي، الذي تولى الرئاسة فترة من الزمن، وقد كان زميلًا لي في كلية أصول الدين بالأزهر. كما صحبني لزيارة بعض المؤسسات التعليمية والإعلامية التي تخدم الجهاد، وأجرى معي حوارًا في مجلته الأسبوعية «رسالة الجهاد» التي أنشأها لخدمة الجهاد والتعريف بأنبائه، وتكتيل الأمة حوله.

نسيج وحده:

وقد كان رحمه الله  نسيج وحده، غيرةً وحماسًا، وتجرُّدًا إخلاصًا، وبطولةً وفداء تراه لأول وهلة فتحبه، وتقترب منه فتزداد له حبًّا. حيث ترى رجلًا نقيًا كماء المزن، مشرقًا كنور الفجر، مريحًا كنسيم الأصيل، وفي الوقت نفسه مستقيمًا كشعاع الشمس، صارمًا كحدِّ السيف. وكان كله لله، عقله لله، وقلبه لله، وجسمه لله، ووقته لله، وجهده لله، شعاره قوله تعالى: {قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 162 لَا شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام: 162، 163]. أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحدًا.

ثناء إخوانه الفلسطينيين عليه:

لقد سمعت به قبل أن أراه، من ثناء إخوانه الفلسطينيين عليه، وشهادتهم له بالعلم والعمل والإخلاص. وقد قيل: الناس هلكى إلا العالمين، والعالمون هلكى إلا العاملين، والعاملون هلكى إلا المخلصين!

وشهادة العلماء والصالحين لها قيمتها عند الله، فقد قيل: ألسنة الخلق أقلام الحق. وفي الحديث النبوي المتفق عليه: «أنتم شهداء الله في الأرض»(1) بعد أن قال عن رجل: «هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة» وعن آخر: «أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار».

صدْق الخُبْر الخَبر:

والحق أني حين لقيته لأول مرة في أحد معسكرات الشباب بإحدى الجامعات في مصر، صدَق الخُبْر الخَبَر، وصدّقت العين الأذن، والأذن تعشق قبل العين أحيانًا.

ولما اقتربت منه وجدته رجلًا جديرًا أن يُحب، ورأيته يتمتَّع بحُسن الخلق، فهو يتميَّز بوجه سَمْح، وطلعة مُشْرقة، وفم يبتسم، يأسر جليسه بإيمانه وأخلاقه، قبل أن يأسره بأي شيء آخر. كما رأيته يتمتع بحسن الفقه، وحُسن الدعوة، وحُسن العمل، والشجاعة في الحق، وبصفاء قلبه من الغش، وقوله من اللغو، ولسانه من الكذب، وعينه من الخيانة، ويده من التلوُّث، وضميره من النفاق: {وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلٗا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} [فصلت: 33].

داعية الجهاد:

وثق به المجاهدون عربهم وأفغانهم، ووثق به المسلمون في أنحاء العالم، وأمدوه بما يحتاج إليه، وخصوصًا بعد أن أنشأ مكتب خدمات المجاهدين. ولقد زارنا في قطر عدَّة مرات، في سعيه لحشد الجهود والأموال من أجل قضية الأفغان التي عرّف بها أكثر من أهلها أنفسهم. كما التقينا مرات عدّة في مناسبات شتّى بعضها في بلاد الخليج وبعضها في أمريكا، وبعضها في أوربا. وهو في جولاته كلها د اعية الجهاد الذي لا يفْتر ولا يمل ومعبِّئ الأمة لهذا الجهاد، أو على الأقل مساندته بالمال وخبرات الرجال.

رأيه في فرضية الجهاد في أفغانستان:

وكان يرى أن الجهاد في أفغانستان أصبح فرض عين على الأمة كلها في مشارق الأرض ومغاربها. وقد ناقشته مرة في توضيح هذا الكلام، فإنَّ أخذه على إطلاقه لا يُتصوَّر، إذ لا يمكن أن نحشدَ الأمة كلَّها في أرض أفغانستان! ولا يمكن أن تُعطَّل الحياة الإسلامية في الأقطار المختلفة من أجل الجهاد في أفغانستان. ولكن يجب على الأمة كلها أن تساند الجهاد الأفغاني بالمال، وقد أمر الله بالجهاد بالمال، كما أمر بالجهاد بالأنفس، قال تعالى: {وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [التوبة: 41]. ومن كان لديه خبرة عسكرية لا تتوافر عند الأفغانيين ومن معهم بدرجة كافية، ولا يسد غيره مسده، يجب أن يسلم نفسه إليهم.  ومن لا يستطع أن يقدم شيئًا، فعليه أن يدعو لهم بالنصر والتأييد.

نبأ وفاته ورثاؤه:

كان نبأ استشهاد د. عزام فجيعة لكلِّ من عرفه، وقد بكاه العاملون للإسلام في كل مكان، فمن الرجال من إذا مات ثلمت في الإسلام ثلمة لا يسدُّها إلا خلف منه، ومن يخلف هؤلاء الأفلاذ قليلون، بل نادرون.

وقد كانوا إذا عدوا قليلًا    فقد صاروا أقلَّ من القليل

ولقد تبارى الأدباء والشعراء في رثائه وتأبينه، وخصوصًا من أبناء فلسطين. ومما أذكره من ذلك قصيدة الشاعر الفلسطيني المطبوع عبد الرحمن بارود.

التحامل على الشهيد عزام:

ومن الناس من يتحامل على الشهيد عزام، ويحمِّله أوزار أمور كبيرة حدثت بعد ذلك. فمنهم من يحمِّله تبعات جماعات الجهاد التي ظهرت في عدد من البلاد العربية، مع أن بعضها موجود من قبل، ومنهم من يحمِّله وزر ظهور القاعدة وما جرّت على المسلمين من تبعات جسام، وأن له صلة وأثرًا قويًا في تكوين جماعات العنف.

والحق أن الرجل كان داعية إلى جهاد الأعداء، وإعداد الأمة له، ودفعها إليه، أما الاقتتال الداخلي بين أبناء الأمة، فلا يوجد دليل على تحمُّله ذلك، والأصل البراءة، وحُسن الظن، والحمد لله أولًا وأخيرًا.

ندوة الزكاة في الرباط

وفي أواخر سنة 1989م جائتني دعوة من الأستاذ الفاضل محمد بلبشير الحسني بالرباط، للمشاركة في ندوة عن الزكاة، وكانت ندوة علمية مفيدة، لم أشارك فيها ببحث على ما أذكر، ولكني شاركت بالتعليق والمناقشة على كثير من الأبحاث. كما شاركت في صياغة التوصيات التي صدرت عن الندوة.

محاضرتي في كلية الآداب بجامعة محمد الخامس:

وفي هذه الرحلة دُعيت إلى محاضرة في كلية الآداب بجامعة محمد الخامس، وكانت المحاضرة في قاعة ابن خلدون، وهي قاعة كبيرة معدّة للمحاضرات العامة، وقد امتلأت القاعة على آخرها، ملأ الناس المقاعد، وبقى كثيرون وقوفًا داخل القاعة. وظلّ أضعاف من في القاعة، خارجها.

قد ذكّرني الأخ الداعية المغربي المقرئ أبو زيد الإدريسي: أني حين رأيت هذه الجموع الحاشدة، قلت: من أراد أن يعرف حقيقة الشعب المغربي، أو أراد أن يستفتي على الإسلام في المغرب، فلينظر إلى هذه الجموع التي أقبلت من كل حدب وصوب، لتستمع إلى كلمة الإسلام.

وكان عنوان المحاضرة التي ألقيتها في الجامعة هو: الصحوة الإسلامية بين الآمال والمحاذير(2).

...................

(1) متفق عليه: رواه البخاري (1367)، ومسلم (949) كلاهما في الجنائز عن أنس.

(2) وقد طبعت هذه المحاضرة، ونشرتها مكتبة وهبة بالقاهرة.