د. يوسف القرضاوي

الزكاة هي نظام جديد فريد في تاريخ الإنسانية، لم يسبق إليه تشريع سماوي، ولا تنظيم وضعي. هي نظام مالي واقتصادي؛ لأنها ضريبة مالية محدودة، تُفرض على الرؤوس حينًا، كزكاة الفطر، وعلى الأموال أحيانًا -من رؤوس أموال ودخول- كما هو الشأن في عامة الزكاة، وهي مورد مالي دائم من موارد بيت المال في الإسلام، تُصرف في تحرير الأفراد من رق العوز وإشباع حاجاتهم الاقتصادية وغيرها، ثم هي حرب عملية على الكنز وحبس الأموال عن التداول والتثمير.

وهي نظام اجتماعي؛ لأنها تعمل على تأمين أبناء المجتمع ضد العجز الحقيقي والحكمي، وضد الكوارث والجوائح، وتحقق بينهم التضامن الإنساني: الذي يعين فيه الواجد المعدم ويأخذ القوى بيد الضعيف، والمسكين وابن السبيل ويقرب المسافة بين الأغنياء والفقراء، ويعمل على إزالة الحسد والضغينة بين القادرين والعاجزين، ويعين المصلحين بين الناس على اتجاههم الخيِّر؛ ويدفع لهم ما غرموا في سبيل الخير العام؛ كما تسهم في حل كثير من مشكلات المجتمع وتعينه على تحقيق أهدافه النبيلة، وغاياته الطيبة المثلى.

وهي نظام سياسي؛ لأن الأصل فيها أن تتولى الدولة جبايتها، كما تتولى توزيعها في مصارفها، مراعية في ذلك العدل، مقدِّرة الحاجات، مقدَّمة للأهم على المهم، وذلك بواسطة جهاز قوي أمين، حفيظ عليم، من "العاملين عليها"، كما أن بعض مصارفها إنما هو من شئون الدولة كـ "المؤلَّفة قلوبهم" و "في سبيل الله".

وهي نظام خُلُقي.. لأنها تهدف إلى تطهير نفوس الأغنياء من دنس الشح المهلك، ورجس الأنانية الممقوتة، وتزكيتها بالبذل وحب الخير، والمشاركة الوجدانية والعملية للآخرين، كما تعمل على إطفاء نار الحسد في قلوب المحرومين الذين يمدون أعينهم إلى ما متع الله به غيرهم من زهرة الحياة الدنيا. وإشاعة المحبة والإخاء بين الناس.

وهي -قبل ذلك كله- نظام ديني؛ لأن إيتاءها دعامة من دعائم الإيمان، وركن من أركان الإسلام، وعبادة من أسمى ما يُتقرب به إلى الله تعالى؛ ولأن القصد الأول من إعطائها لذي الحاجة تقوية إيمانه بالدين، وإعانته على طاعة الله وتنفيذ أوامره، ولأن الدين هو الذي جاء بها، وهو الذي فصَّل أحكامها وبين مقاديرها وحدد مصارفها، وجعل جزءًا منها في معونة ذوي الحاجة من أهله، وجزءًا آخر في تأليف القلوب عليه، وفي نُصرته وإعلاء كلمته وتأمين دعوته في الأرض {حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلهُ للَّه} (الأنفال:39).

هذه هي الزكاة كما شرعها الإسلام، وإن جهل المسلمون في الأعصر الأخيرة حقيقتها، وأهملوا بعد ذلك أداءها، إلا من رحم ربك، وقليل ما هم. هذه الزكاة وحدها دليل على أن هذه الشريعة من عند الله، فما كان لمحمد الأمي في أمة أمية أن يهتدي إلى مثل هذا النظام الفذ العادل، بتفكيره الشخصي، أو بمعلوماته القليلة، لولا أنّ الله اختصه بوحيه، وأنزل عليه آياته هديً للناس وبينات من الهدى والفرقان، وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيمًا.

شهادة الأجانب للزكاة

هذا النظام الفذ -نظام الزكاة- الذي أساء فهمه وتطبيقه كثير من المسلمين بل شوهه وطعن فيه بعض المضللين ممن ينتسبون إلى الإسلام، ويحملون أسماء المسلمين - هذا النظام وجد من الكتاب الغربيين من ينوِّه به، ويثني عليه، ويشيد بفضل الإسلام الذي سبق النظم العالمية الحديثة بشرعه للناس.

يتحدث "أرنولد" في كتابه "الدعوة الإسلامية" عن شعائر الإسلام فيذكر الحج الإسلامي ومزاياه، وجليل أهدافه، ثم ينتقل إلى الزكاة فيقول: "وإلى جانب نظام الحج نجد إيتاء الزكاة فرضًا آخر، يُذكِّر المسلم بقوله تعالى: {إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَة} (الحجرات:10) وهي نظرية دينية تتحقق على صورة رائعة، تبعث على الدهش، في المجتمع الإسلامي، وتتجلى في أعمال الشفقة إزاء المسلم الجديد.. ومهما يكن جنسه ولونه وأسلافه، فإنه يُقبَل في زمرة المؤمنين، ويتبوأ مكانه على قدم المساواة مع أقرانه المسلمين" (الدعوة إلى الإسلام - لتوماس أرنولد - ترجمة الدكتور حسن إبراهيم حسن وميله، ص 457).

ويقول "ليود روش": "لقد وجدت في الإسلام حل المشكلتين الاجتماعيتين اللتين تشغلان العالم، الأولى: في قول القرآن: {إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ} فهذا أجمل مبادئ الاشتراكية، والثانية: فرض الزكاة على كل ذي مال وتخويل الفقراء حق أخذها غصباَ، إن امتنع الأغنياء عن دفعها طوعًا، وهذا دواء الفوضوية".

وينقل لنا الأستاذ محمد كرد على عن كاتب أجنبي آخر قوله في الزكاة: "وكانت هذه الضريبة فرضًا دينيًا يتحتم على الجميع أداؤه، وفضلاً عن هذه الصفة الدينية. فالزكاة نظام اجتماعي عام ومصدر تدخر به الدولة المحمدية ما تمد به الفقراء وتعينهم، وذلك على طريقة نظامية قويمة، لا استبدادية تحكمية، ولا عرضية طارئة" (من كتاب "الإسلام والحضارة الغربية" - لكرد علي - مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر - الطبعة الثانية – ص 176).

"وهذا النظام البديع كان الإسلام أول من وضع أساسه في تاريخ البشرية عامة. فضريبة الزكاة التي كانت تجبر طبقات الملاك والتجار والأغنياء على دفعها، لتصرفها الدولة على المعوزين والعاجزين من أفرادها، هدمت السياج الذي كان يفصل بين جماعات الدولة الواحدة، ووحدت الأمة في دائرة اجتماعية عادلة. وبذلك برهن هذا النظام الإسلامي على أنه لا يقوم على أساس الأثرة البغيضة" (المرجع نفسه ص76-77).

وينقل عن "ماسينيون" المستشرق الفرنسي الشهير قوله:

"إن لدين الإسلام من الكفاية ما يجعله يتشدد في تحقيق فكرة المساواة، وذلك بفرض الزكاة التي يدفعها كل فرد لبيت المال، وهو يناهض الديون الربوية والضرائب غير المباشرة التي تفرض على الحاجات الأولية الضرورية، ويقف في نفس الوقت إلى جانب الملكية الفردية ورأس المال التجاري، وبذلك يحل الإسلام مرة أخرى مكانًا وسطًا بين نظريات الرأسمالية البرجوازية، ونظريات البلشفية الشيوعية".

وتقول الكاتبة الإيطالية الدكتورة "فاغليري" في كتابها الذي نقل إلى العربية بعنوان "دفاع عن الإسلام": " لقد اعترفت جميع الأديان، إلى حد ما، بالأهمية الأخلاقية والاجتماعية الكبرى التي ينطوي عليها تقديم الصدقات، وأوصت بذلك بوصفه تعبيرًا حسيًّا عن الرحمة. ولكن الإسلام يتمتع وحده بالمجد المتمثل في جعل الصدقة إلزامية ناقلاً تعاليم المسيح إلى دنيا الأمر، ومن ثَمَّ إلى دنيا الواقع. فكل مسلم ملزم -بحكم القانون- بأن يخصص جزءًا من ثروته لمصلحة الفقراء، والمحتاجين، والمسافرين والغرباء... إلخ. وبأداء هذه الفريضة الدينية يختبر المؤمن حسًا أعمق من الإنسانية، ويطهر روحه من الشح، ويأخذ في مراودة الأمل بالفوز بالمكافأة الإلهية" (دفاع عن الإسلام ص69) .

من كلمات المصلحين المسلمين:

وبعد هذه الكلمات التي نقلناها عن جماعة من المستشرقين أداهم الإنصاف إلى الاعتراف بفضل الزكاة، نثبت هنا أيضاَ كلمات لبعض المصلحين المسلمين نوّهوا فيها بشأن الزكاة لعل فيها هدى وموعظة.

التزام أداء الزكاة كاف لإعادة مجد الإسلام:

كلام السيد محمد رشيد رضا في تفسيره

"إن الإسلام يمتاز على جميع الأديان والشرائع بفرض الزكاة فيه -كما يعترف بهذا حكماء جميع الأمم وعقلاؤها- ولو أقام المسلمون هذا الركن من دينهم لما وُجِد فيهم- بعد أن كثرهم الله ووسع عليهم في الرزق- فقير مدقع، ولا ذو غُرْم مفجع. ولكن أكثرهم تركوا هذه الفريضة، فجنوا على دينهم وأمتهم، فصاروا أسوأ من جميع الأمم حالاً في مصالحهم المالية والسياسية حتى فقدوا مُلْكهم وعزتهم وشرفهم، وصاروا عالة على أهل الملل الأخرى حتى في تربية أبنائهم، فهم يلقونهم في مدارس دعاة النصرانية، أو دعاة الإلحاد فيفسدون عليهم دينهم ودنياهم، ويقطعون روابطهم المليِّة والجنسية، ويعدونهم ليكونوا عبيدًا أذلة للأجانب عنهم. وإذا قيل لهم: لماذا لا تؤسسون لأنفسكم مدارس كمدارس هؤلاء الرهبان والمبشرين أو الملاحدة الإباحيين؟ قالوا: إننا لا نجد من المال ما يقوم بذلك. وإنما الحق أنهم لا يجدون من الدين والعقل وعلو الهمة والغيرة ما يمكنهم من ذلك، فهم يرون أبناء الملل الأخرى، يبذلون للمدارس وللجمعيات الخيرية والسياسية ما لا يوجبه عليهم دينهم، وإنما أوجبته عليهم عقولهم وغيرتهم الملِّية والقومية، ولا يغارون منهم، وإنما يرضون أن يكونوا عالة عليهم! تركوا دينهم فضاعت بإضاعتهم له دنياهم {نَسُواْ اللَّهَ فَأنسَاهُمْ أنفُسَهُمْ، أوْلَئِكَ هُمً الفَاسِقُونَ} (الحشر:19).

"فالواجب على دعاة الإصلاح فيهم أن يبدأوا بإصلاح من بقى فيه بقية من الدين والشرف بتأليف جمعية لتنظيم جمع الزكاة منهم، وصرفها قبل كل شيء في مصالح المرتبطين بهذه الجمعية دون غيرهم. ويجب أن يُراعَى في تنظيم هذه الجمعية أن لسهم"المؤلفة قلوبهم" مصرفًا في تحرير الشعوب المستعمرة من الاستعباد، إذا لم يكن له مصرف تحرير الأفراد، وأن لسهم "سبيل الله" مصرفًا في السعي لإعادة حكم الإسلام، وهو أهم من الجهاد لحفظه في حال وجوده من عدوان الكفار، ومصرفًا آخر في الدعوة إليه والدفاع عنه بالألسنة والأقلام، إذا تعذر الدفاع عنه بالسيوف والأسنة، وألسنة النيران".

"ألا إن إيتاء جميع المسلمين أو أكثرهم للزكاة، وصرفها بالنظام، كاف لإعادة مجد الإسلام، بل لإعادة ما سلبه الأجانب من دار الإسلام، وإنقاذ المسلمين من رق الكفار، وما هي إلا بذل العشر أو ربع العُشر، مما فضل عن حاجة الأغنياء؛ وإننا نرى الشعوب التي سادت المسلمين بعد أن كانوا سادتهم يبذلون أكثر من ذلك في سبيل أمتهم وملَّتهم، وهو غير مفروض عليهم من ربهم" أهـ (تفسير المنار جـ20).

الزكاة من الأمة وإليها

ويقول المرحوم الشيخ محمود شلتوت -شيخ الجامع الأزهر الأسبق- معلقًا على حديث معاذ الذي قال له فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: "أعلمهم أن الله افترض عليهم في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُرَد على فقرائهم":

"يدل هذا التعليم النبوي على أن الزكاة في نظر الإسلام ليست إلا صرف بعض أموال الأمة، ممثلة في أغنيائهم، إلى الأمة نفسها، ممثلة في فقرائها. وبعبارة أخرى: ليست إلا نقل الأمة بعض مالها من إحدى يديها، وهي اليد المشرفة، التي استخلفها الله على حفظه وتنميته والتصرف فيه - وهي يد الأغنياء - إلى اليد الأخرى، وهي اليد العاملة الكادحة، التي لا يفي عملها بحاجتها أو التي عجزت عن العمل، وجعل رزقها فيه ومنه، وهي يد الفقراء" (كتاب "الإسلام عقيدة وشريعة" لشلتوت).

مهمة الزكاة في المجتمع المسلم

ويعرض المصلح الإسلامي العلامة السيد أبو الأعلى المودودي لمهمة الزكاة وموضعها من النظام الاقتصادي الإسلامي، في كتاب "أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة":

الذي يريده الإسلام في حقيقة الأمر -كما قلنا من قبل- ألا تُترك الثروة تتجمع في موضع من المواضع في المجتمع، ولا ينبغي للذين نالوا من الثروة، لحسن حظهم أو بكفاءتهم ما يزيد عن حاجاتهم أن يدخروها ولا ينفقوا منها، بل عليهم أن ينفقوا منها في وجوه يمكن بها للذين لم يسعدهم الحظ أن ينالوا نصيبًا كافيًا من ثروة المجتمع في تداولها.

ولهذا الغرض، ينشئ الإسلام -في جانب- روح السخاء والجود والتعاون الاجتماعي الحقيقي بتعاليمه الخُلقية السامية وطرق الترغيب والترهيب المؤثرة، حتى يصبح الناس، بميلهم الطبيعي، يشمئزون من جمع الثروة وادخارها، ويرغبون في إنفاقها بأنفسهم، وفي الجانب الآخر، يضع قانونًا يوجب أن يؤخذ مقدار معلوم، لفلاح المجتمع وإسعاده، من أموال الناس، فهذا المقدار المعلوم من أموال الناس هو "الزكاة" ولا يخفى عليك ما للزكاة من أهمية بالغة في نظام الإسلام الاقتصادي، وهي أهم أركان الإسلام بعد الصلاة، حتى لقد صرَّح القرآن بأن من يكنز المال لا يحل له حتى يؤدي زكاته، فقال: {خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} (التوبة:103).

وكلمة "الزكاة" نفسها تدل على أن في الثروة التي يجمعها الإنسان نجاسة وخباثة لا تطهر ما لم يخرج منها 2.5% في سبيل الله" كل عام، والله غنى لا يناله مالكم ولا يحتاج إليه ؛ إلا أن تسعوا في ترفيه الفقراء وتعملوا على ترقية الأعمال النافعة التي يشمل نفعها طبقات الأمة كلها، فقال: {إنَمَا الصَدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سبِيلِ اللَّه وَابْنِ السَّبِيلِ} (التوبة: 60). فهذه هي جمعية المسلمين للتعاون الاجتماعي، وهذه هي شركتهم للتأمين الاجتماعي، وهذا هو مالهم الاحتياطي.

وهذه هي الثروة الكافلة للعاطلين منهم، وهذه هي الوسيلة لإعانة عجزتهم ومرضاهم ويتاماهم وأياماهم ومواساتهم وتعهد أحوالهم؛ وفوق كل ذلك هو الشيء الذي يغني المسلم عن التفكر في غده. فمبدأ الإسلام الساذج الفطري أنك إذا كنت غنيًا اليوم، فساعد غيرك، ليساعدك غيرك إذا افتقرت غدًا، فليس لك أن تشغل بالك بالتفكير فيما يكون عليه حالك إن أصبحت فقيرًا، أو حال زوجك وأولادك إذا نالتكَ المنية وانتقلتَ إلى الدار الآخرة، وكيف تنجو من المصائب إذا نزلت بك نازلة أو مرضتَ أو أصبت بالحريق أو الفيضان؟ وماذا تفعل إن كنت على سفر وليس عندك شيء من المال؟ فالزكاة هي التي تغنيك وتنجيك عن التفكر في مثل هذه الأمور إلى أبد الآباد.

ليس عليك إلا أن تؤدي 2.5% من ثروتك المدخرة إلى مؤسسة الله للتأمين، ثم تأمن من كل آفة على نفسك ؛ إنك لست بحاجة إلى هذه الثروة في هذا الوقت فدع الذين هم في حاجة إليها، ينفقون منها ويسدون بها حاجاتهم، ثم تعود عليك هذه الثروة بتمامها غدًا، بل ستعود عليك وهي أكثر منها الآن إن افتقرت إليها أنت أو أولادك.

وههنا أيضًا يبدو التضاد الواضح بين مبادئ ومناهج الرأسمالية ومبادئ ومناهج الإسلام، فالذي تقتضيه الرأسمالية أن يجمع الإنسان المال ويأخذ عليه الربا حتى ينجذب إلى بحيرته وينصب فيها كل ما عند غيره من المال، ولكن ذلك مما لا يتفق مع طبيعة الإسلام، فهو يأمر، إذا تجمع المال في بحيرة من البحيرات، بحفر الترع منها وتوزيع مائها إلى ما حولها من الزروع الميتة حتى تعود إليها الحياة.

إن تداول الثروة مقيد في نظام الرأسمالية وهو حر في نظام الإسلام. فإنه لا بد لك، إن أردت أن تأخذ الماء من حوض الرأسمالية، أن يكون ماؤك موجودًا فيه من ذي قبل، وإلا فليس لك، بحال من الأحوال، أن تنال منه ولو قطرة واحدة من الماء،  ولكن المبدأ الذي يجرى عليه نظام حوض الإسلام، أنه من كان عنده من الماء ما يزيد عن حاجته، فليصبه في هذا الحوض، ومن كان في حاجة إلى الماء فليأخذه منه. فالظاهر أن هذين الطريقين متضادان فيما بينهما من حيث أصلهما وطبيعتهما، وليس الجمع بينهما في نظام اقتصادي إلا الجمع بين الضدين في حقيقة الأمر، ولا يكاد يمر ذلك بخلد رجل عاقل" أهـ (أسس الاقتصاد في الإسلام ص128-131).

سمة بارزة من سمات الزكاة في الإسلام

ويتحدث الداعية الإسلامي الجليل السيد أبو الحسن الندوي في كتابه "الأركان الأربعة" عن سمات الزكاة الإسلامية البارزة، فمن أبرزها وأعمقها في التأثير ما يقترن بهذه الفريضة من روح الإيمان والاحتساب، وهي الروح التي تتجرد منها الضرائب الرسمية، ثم يعرض لسمة أخرى ذات أهمية ودلالة بالغة، فيقول:

والسمة الثانية البارزة التي تميز الزكاة عن سائر الجبايات والضرائب، التي كانت تُفرض في زمن الملوك والسلاطين، وفي عهد الحكومات الشخصية أو في عصرنا الحاضر في الجمهوريات وحكومات الشعوب، وتجعلها تختلف عنها اختلافًا واضحًا في البداية والنهاية، وفي النتائج والآثار، هي وضعها الشرعي الذي قرره الرسول صلى الله عليه وسلم بلفظه المعجز الحكيم، وتعبيره النبوي الدقيق الذي يُعَد من جوامع الكلم، فقال: "تؤخذ من أغنيائهم، وتُرد على فقرائهم"، وذلك وضع الزكاة الأصيل الشرعي الذي كانت عليه، ويجب أن تكون عليه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهي تؤخذ من الأغنياء الذين يستوفون شروط وجوبها، ويملكون النصاب المعيّن المنصوص، وتُصرف في مصارف عينها الله تعالى في القرآن، ولم يكلها إلى رأي مشترع أو مقنن، أو حاكم أو عالم، وهو قوله تعالى: {إنَّمَا الصَّدَقَاتُ للْفُقَراء} .... الآية (التوبة:60). وتفضل الشريعة، وترجح الأحاديث النبوية أن تُصرف هذه الصدقات على فقراء البلد الذي تُجبَى فيه.

وكذلك كان نظام الزكاة حتى في الحكومات التي لم تكن دقيقة كل الدقة، ولا أمينة كل الأمانة في تطبيق الأحكام الشرعية، وتحقيق المُثُل الإسلامية العليا في الحكم والسياسة. فلم يُحرم الفقراء والمساكين حقهم في ظل هذه الحكومات، ولم تتعطل حدود الله كل التعطل (كتاب "الخراج" لقاضي القضاة الإمام أبي يوسف ومقدمته - بصفة خاصة- برهان ساطع على ما كان من اهتمام في أوج الدولة العباسية بأحكام الخراج والزكاة والصدقات فإنه كتب هذا الكتاب العظيم باقتراح من أمير المؤمنين "هارون الرشيد"). في هذه الحكومات، التي يبالغ كثير من المؤرخين المغرضين، والباحثين المستشرقين في ذمها، وانحرافها عن تعاليم الإسلام، بل ثورتها عليها، كما يقولون.

وبالعكس من ذلك، الجبايات والضرائب والمكوس، التي تفرضها الحكومات اليوم، فهي صورة مقلوبة معكوسة للزكاة، فهذه الضرائب -العادلة منها والمجحفة، والصغيرة منها والضخمة- تؤخذ من الفقراء وأوساط الناس، وتُرَد على الرؤساء والأغنياء والأقوياء.

إنها تجتمع بعَرَق جبين الفلاحين، والعملة والصنَّاعين، والتجار الذين يشتغلون ليل نهار في متاجرهم ودكاكينهم وتُصرف هذه الأموال بسخاء -بل بقسوة نادرة، ووقاحة زائدة- في استقبال رؤساء الجمهوريات الزائرين للبلاد، وفى ولائمهم التي تشبه ولائم "ألف ليلة وليلة" الخيالية الأسطورية، وفى المهرجانات التي يحتفل بها بين حين وحين وفى مآدب السفارات في البلاد الأجنبية التي تجري فيه الخمر جري الأنهار، وفي دعايات الحكومة التي تستنفد موارد الشعب وتمتص دماءه، وتحول بين رجل الشعب وقوته..

وفي جعالات الصحفيين الأجانب، ووكالات الأنباء ورواتب المذيعين البارعين الذين حذقوا فن تلفيق الأخبار، واتهام الأبرياء، وتشريح الأحياء من المنافسين والأعداء، وتكاليف الصحف التي تعتبر أهم وأنفع من أقوى الجيوش، وأحدث الأسلحة، فما من حكومة شعبية ديمقراطية، ولا من حكومة شيوعية أو اشتراكية، إلا وهي تمتص دم الشعب كالإسفنج، وتصبه في بحر الدعاية والرشاء السياسي، والتلبيس الصحفي، ومحاكمة المعارضين من المجرمين وغير المجرمين..

فلا أدق تصويرًا ولا أصدق تعبيرًا في وصف هذه الضرائب، التي تقوم عليها الحكومات اليوم، من قولنا: إنها "تؤخذ من فقرائهم وتُرَد على أغنيائهم" لذا كانت الزكاة الإسلامية التي فرضها الله على عباده الموسرين لطفًا ورحمة بالأمة، ونتيجة لنعمة النبوة التي لا نعمة فوقها، "ضريبة" -إذا كان لا بد من إطلاق هذه الكلمة- أقل الضرائب مقدارًا وأخفها مؤنة، وأعظمها يمنًا وبركة، وأكثرها فائدة، لأنها: (تؤخذ من أغنيائهم وتُرَد على فقرائهم) أهـ (الأركان الأربعة ص120-122).

هذه الدراسة إلى..

هذه الدراسة إلى رجال الفكر والتشريع المالي والضريبي ليعلموا كيف سبق الإسلام النظم المالية والضريبية الحديثة فشرع هذه الضريبة المحكمة "الزكاة" متضمنة أفضل المبادئ، وأعدل الأحكام، وأنبل الأهداف وأقوى الضمانات، ثم لينزلوا على حكم الشرع الذي يدينون به، والواقع الذي يعيشون فيه فيراعوا معتقدات الأمة التي يُشرعون لها، ويضعوا هذه الضريبة المقدسة "الزكاة" في مقدمة الضرائب التي يسنونها، ثم يُفرِّعوا ويكملوا بما تقتضيه الحال من ضرائب تصاعدية أو نسبية.

وأهدي هذه الدراسة إلى رجال الضمان الاجتماعي، ليعلموا علم اليقين أن هذه الفريضة هي أول إعانة تُنظم بواسطة الحكومة -في تاريخ الإنسان- لمختلف ذوي الحاجات في المجتمع، بل هي حق معلوم لهم وفريضة من الله، وأن تاريخ التدابير الحكومية لإعانة الضعفاء والمحتاجين، لا يبدأ بالقرن السابع عشر -كما قيل- كما أن الضمان الاجتماعي ليس من مستوردات الغرب، ولا من مبتكرات العصر، بل هو نظام إسلامي أصيل، وفره الإسلام للمسلمين وغير المسلمين.

وأهدي هذه الدراسة إلى المثقفين العصريين الذين يحملون أسماءً ووجوهًا عربية أو شرقية، وقلوبًا وعقولاً أوروبية أو أمريكية أو روسية أو صينية، يتبعون -رسميًا- الديانة الإسلامية، وهم أجهل الناس بالإسلام.. إليهم هذه الدراسة ليعلموا أن الإسلام ليس دين صومعة ولا كهنوت، وإنما هو دين ودولة، عقيدة ونظام، علم وعمل، دنيا وآخرة، حرية وعدل، حقوق وواجبات. وأوضح مثل لذلك نظام الزكاة.

وأهدي هذه الدراسة إلى كافة الشعوب الإسلامية وحكوماتها المعاصرة؛ لتراجع موقفها من شرائع الإسلام ونظمه، ومنها الزكاة، عسى أن تزيل التناقض القائم في حياتها، وتطرد من دساتيرها وقوانينها الاستعمار التشريعي كما طردت الاستعمار السياسي والعسكري، ويعود الإسلام دينها ومصدر قوانينها وأنظمتها.

وأخيرًا.. أهدي هذه الدراسة إلى المشتغلين بالفقه الإسلامي، والثقافة الإسلامية والداعين إلى تطبيق نظام الإسلام، لعلهم يجدون في هذه الدراسة الفقهية المقارنة في ضوء القرآن والسنة، ما يزيدهم إيمانًا بأن هذا الدين قادر على مواجهة التطور، وقيادة الحياة من جديد، وتوجيه دفتها إلى الحق والخير والعدل، في ظل شريعته الخصبة المثرية، الصالحة المصلحة لكل زمان ومكان.

.......................

*عن كتاب "فقه الزكاة" (نهاية الجزء الثاني) لفضيلة العلامة، تاريخ النشر ربيع الآخر سنة 1406 هـ ديسمبر سنة 1985م، الطبعة 16، وهذا  الكتاب عمل على تجميع ما تبعثر عن "الزكاة" في المصادر الأصلية، محاولا تمحيص ما ورد فيها من خلافات كثيرة بغية الوصول إلى أرجح الآرآء وفق الأدلة الشرعية وعلى ضوء حاجة المسلمين ومصلحتهم في هذا العصر، ومحاولة إبداء الرأي فيما جد من مسائل وأحداث متعلقة بالموضوع، وتصحيح ما شاع من أفكار خاطئة حول الزكاة، وقد ترجم هذا الكتاب لعدة لغات إسلامية وعالمية.