د. يوسف القرضاوي

عنى الإسلام بترشيد الاستهلاك، والحث على الاعتدال في الإنفاق، وهو ما وصف الله به عباد الرحمن المقربين إليه: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا). وما أمر به في وصايا الحكمة من سورة الإسراء: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا).

ويتحتم ذلك ويتأكد إذا قلت الموارد كما في أيام القحط والمجاعات، وهو ما أشار إليه القرآن في قصة يوسف، من تقليل الاستهلاك في السنوات السبع الخصبة حتى يكون هناك مجال للادخار: (فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ). ثم تقليل الاستهلاك مرة أخرى في السنوات السبع العجاف، بحكم الضرورة وتوزيع المدخر على سنوات الأزمة جميعاً: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ)، وفى التعبير بقوله: (مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ) ما يدل على أن ما يستهلك إنما يتم بحساب وتقدير، فهم الذين يقدمون، وهذا دليل القصد.

وقد هم أمير المؤمنين عمر الفاروق في عام المجاعة، أن يضيف إلى كل بيت عندهم بقايا الخصب مثلهم في العدد، ممن ساء حالهم، ونضبت مواردهم، وقال: (إن الناس لا يهلكون على أنصاف بطونهم ). وهو ما أومأ إليه الحديث النبوي: ( طعام الواحد يكفى الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة ). إن قاعدة ( الاستخلاف ) التي ذكرناها من قبل تجعل المسلم مقيداً في استهلاكه وإنفاقه للمال، كما قيدته في تثميره وتنميته.

إن الإسلام لا يحرم على المسلم طيبات الحياة، كما حرمتها بعض الديانات والفلسفات، كالبرهمية الهنديه، والمانوية الفارسية، والرواقية اليونانية، والرواقية النصرانية. إنما يحرم الاعتداء في الاستمتاع بها، أو الإسراف في تناولها.

يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ). ويقول عز وجل: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا . إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) . والفرق بين التبذير والإسراف: أن الإسراف تجاوز الحد في الحلال، والتبذير: الإنفاق في الحرام، ولو كان درهماً واحداً.

ومن هنا يجب مراعاة المبادئ التالية في النفقة:

الإنفاق على النفس والأهل:

(أ) فلا يجوز لصاحب المال أن يغل يده عن الإنفاق الواجب على نفسه وأهله شحاً وبخلاً، أو تقشفاً وتزهداً، فالإسلام ينهى عن الشح ويحذر منه، ويجعله مصدراً لفساد عريض، وفي الحديث :(إياكم والشح، فإنما هلك من كان قبلكم بالشح: أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالفجور ففجروا).

كما يهيئ من الرهبة وتحريم المتعة الحلال، ويسمى الملابس الجميلة ونحوها: (زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ). كما يسمى المآكل والمشارب: الطيبات من الرزق. وهى تسمية يكنى بها عن المدح والرضا، وينكر أشد الإنكار على من حرمها على نفسه أو غيره:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) . (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) .

وقال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ). ولما سأله أحد الصحابة: أنه أولع بالجمال. ويحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنه، فهل هذا من الكبر ؟ قال: ( لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس)

لزوم الإنفاق في الحقوق الواجبة:

(ب) ولا يجوز له أن يبخل بالحقوق الواجبة عليه في ماله، سواء، أكانت حقوقاً ثابتة، كالزكاة ونفقات الوالدين والأقارب الفقراء، أم حقوقاً عارضة، كقرى الضيف، وإعارة الماعون، وإغاثة المضطر، والإعطاء في النوازل التي تنزل بالأمة أو ببلد هو فيها، كالحروب والمجاعات والحريق، وكفاية فقراء، بلده بما لا بد لهم منه من حاجات المعيشة، من مطعم وملبس ومسكن وعلاج، ونحو ذلك.

والإسلام يؤكد أهمية هذه الحقوق، حتى إنه ليجيز شهر السلاح من أجلها، وقد قاتل أبو بكر ومعه الصحابة من أجل حق الزكاة، وأباح النبي (صلى الله عليه وسلم) للضيف أن يأخذ حق القرى كن نزل بهم ولو بالقوة، وعلى المسلمين أن يشدوا أزره في ذلك. قال: (أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محروماً، فله أن يأخذ بقدر قراه، ولا حرج عليه). وأباح عامة الفقهاء للمضطر إلى الماء والقوت، أن يقاتل من منعهما عنه بغير حق.

الموازنة بين الدخل والإنفاق:

(ج) كما يجب عليه أن يوازن بين دخله وإنفاقه، فلا ينفق عشرة ودخله ثمانية، فيضطر إلى الاستقراض، وتحمل منة الدائن، والدين همّ بالليل ومذلة بالنهار، وكان النبي، يستعيذ بالله من المغرم (الدين)، معللاً ذلك بأن الرجل إذا غرم حدّث فكذب، ووعد فأخلف، كما في صحيح البخاري.

فإنفاق المرء أكثر مما تطيقه ثروته ودخله، هو من الإسراف المذموم، قال تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ). وفى الحديث: ( كلوا واشربوا ( والبسوا وتصدّقوا، ما لم يخالطه إسراف ولا مخيلة ) رواه النسائي وابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وهذا في الإنفاق على المباحات. أما المحرمات فكل درهم ينفق فيها يدخل في باب التبذير.

وأما الطاعات كالصدقة والجهاد والمشروعات الخيرية، فلا إسراف فيها ما لم يضيع حقاً أوجب منها، كحق عياله أو غريمه، أو نفقة واجبة عليه، أو نحو ذلك. ولهذا حين قيل لبعض الأسخياء المنفقين في الصالحات: لا خير في الإسراف، كان جوابه: لا إسراف في الخير.

والإسلام يعطي الحاكم الحق في (الحجر) على كل سفيه متلاف، يبعثر المال في غير وجهه، لأن للأمة حقاً في هذا المال، فحظه يعود عليها بالمنافع، واضاعته يرجع عليها بالضرر، ولهذا أضاف الله أموال السفهاء إلى الأمة فقال: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا).

حرب على الترف والمترفين:

(د) وهناك نوع من الإسراف يحرمه الإسلام، ويشتد في تحريمه ومقاومته، لما فيه من إفساد حياة الفرد، وحياة الجماعة، ذلك هو ما سماه الإسلام (الترف) وهو التوسع في ألوان التنعم، وأسباب الرفاهية، مما يملأ البطون من مطاعم ومشارب، وما يغشى الأبدان من حلى وحلل، وما يغمر البيوت من أثاث ورياش، وتحف وتماثيل، وأدوات فضية وذهبية وغير ذلك.

إن القرآن يعتبر الترف أول المعوقات التي تحول بين الناس وبين اتباع الحق، لأن الترف لم يدع لأصحابه متسعاً لغير شهواتهم، ومتعهم، فمن دعاهم إلى غير ذلك، عادوه وقاوموه، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ).

والترف له لوازمه من اللهو والعبث والمجون، وله تأثيره في إشاعة الميوعة والطراوة في أبناء الأمة، مما يؤدي بعد حين إلى انحلال أخلاقها وتفسخ روابطها، واتساع الهوة بين أبنائها، نتيجة لحرمان الأكثرية من الضروريات وتمتع الأقلية بما لا عين رأت ولا أذن سمعت، من الكماليات وما بعد الكماليات، ومن هنا تستحق الجماعة كلها الهلاك والعذاب، المترفون لترفهم، والآخرون لسكوتهم أو ممالأتهم: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا).

إن القرآن يحدثنا أن الترف كان هو المسؤول الأول عما أصاب كثيرًا من الأمم من عقاب وبلائه، فحرمت من النصر، وحقت عليها كلمة العذاب: (حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ . لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ)، (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ . فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ . لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ).

الاعتدال في النفقات الحكومية:

وإذا كان الاعتدال مطلوباً في نفقة الفرد على نفسه، فهو مطلوب كذلك في النفقات الحكومية، ابتداء من رئيس الدولة فمن دونه. بل ينبغي على إمام المسلمين- أميرهم ورئيسهم - أن يكون أسوة لهم في التعفف عن مال الدولة، والتقليل من مظاهر النعيم والأبهة. وقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) - وهو إمام المسلمين- أول من يجوع وآخر من يشبع.

قال أبو هريرة: ( خرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير ). وقالت عائشة: ( ما شبع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثلاثة أيام متوالية، ولو شئنا لشبعا، ولكنه كان يؤثر على نفسه).

ورفض أن يتخذ فراشاً، وكانت وسادته حشوها ليف، ونام على الحصير حتى أثر في جنبه، وتوفى وهو يلبس كساء ملبداً وإزاراً غليظاً. وكذلك كان أبو بكر وعمر وعلي - رضي الله عنهم - حتى قال عمر: ما أنا وهذا المال - مال الدولة - إلا كولي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف.

ولا نريد من رؤسائنا وأمرائنا أن يكونوا مثل أولئك الأكابر، ولكن نريد منهم أن يتقوا الله في المال العام، ولا يحابوا به الأقارب والأصهار والموالين وأبواق النفاق. إن كثيراً من الملوك والرؤساء والأمراء في ديارنا يحسبون أن مال الدولة ملك لهم، ومن حقهم أن يتصرفوا فيه كيف يشاؤون. وقلما يوجد من يحاسبهم. حتى البلاد التي توجد فيها هيئات برلمانية ورقابية ومحاسبية، لا تستطيع أن تمس ما يتعلق برئيس الدولة، أو بجهاز مخابراته، وأجهزة أمنه، أو بالجيش وما ينفق عليه.

وهناك جهات ينفق فيها المال بغير حساب، وبدون تقيّد، ولا يكاد يسائلها أحد، مثل الإعلام والرياضة وأمن الدولة، أي أمن الحاكم ونظامه وجماعته. على حين يقتر كل التقتير، ويضيق أشد التضييق على جهات أخرى، مثل التعليم والصحة والمواصلات والخدمات الأساسية لجمهور الناس.

إن الشرع يوجب الموازنة بين المصالح بعضها وبعض، وتقديم الضروري منها على الحاجي، وتقديم الحاجي على التحسيني، وتقديم ما يخدم الجمهور الأعظم من الناس على ما يخدم فئة محدودة. وما فيه مصلحة الفقراء والمستضعفين على ما فيه مصلحة الكبراء والموسرين.

.........................

عن كتاب " ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده" للشيخ القرضاوي.