وقد كان دور الإخوان في قضية فلسطين على الصعيد الدعوي، وعلى الصعيد السياسي، وعلى الصعيد العسكري- دورا مزعجا للقوى الاستعمارية المساندة للصهيونية، ورأوا في وجود هذه الجماعة واستمرار نشاطها خطرا على المشروع الصهيوني الوليد، الذي يراد له أن يهيمن على المنطقة ويؤثر فيها، ثقافيا واقتصاديا وسياسيا وعسكريا.

 

فلا غرو أن اجتمع سفراء بريطانيا وأمريكا وفرنسا في (معسكر فايد)، وهو من معسكرات الاحتلال البريطاني في منطقة (قناة السويس)، وطلبوا من رئيس الحكومة المصرية حينئذ محمود فهمي النقراشي باشا الإسراع بحل (الإخوان المسلمين) ، وهذا ثابت بالوثائق الرسمية، التي كانت سرية، ثم كشفت بعد مرور ثلاثين سنة.

 

وسرعان ما استجابت حكومة النقراشي لمطالب القوى الاستعمارية أو الاستكبارية، وصدر قرار حل الإخوان في 8 ديسمبر سنة 1948م، معللا بتعليلات أخرى تضمنها مذكرة وكيل وزارة الداخلية عبد الرحمن عمار، التي رد عليها الإمام البنا ردا مفصلا، وإن كان لم يتح له أن ينشر في حينه.

 

لقد كان همّ القوى التي خلقت الكيان الصهيوني المغتصب الذي سموه (إسرائيل) والتي شدت أزره من أول يوم، وإلى الآن: أن تختفي جماعة الإخوان ـ وهي العقبة الكئود ضد الصهيونية ـ من الساحة، وألا يمر جهادهم وكفاحهم للعدو الغاصب دون عقاب يردعهم، ويخيفهم ومن يؤيدهم في المستقبل، حتى يلزموا بيوتهم، ويعيش كل منهم لأمر نفسه.

 

وكانت هذه العقوبة هي الاعتقال والمصادرة والتشريد والتنكيل على كل مستوى، حتى أُخذ الشباب المجاهدون من الميدان بلبسهم العسكري إلى المعتقل؛ إرضاء للسادة الذين تعتبر إشارتهم حكما، وطاعتهم غنما.

ولنا في المرحلة القادمة عودة إلى هذا الموضوع بإيضاح وتفصيل.

 

بطولات الإخوان في فلسطين:

ومما سجله التاريخ بحروف من نور: مواقف (المتطوعين) من الإخوان في حرب فلسطين، وقد أشرنا إلى شيء من ذلك في حديثنا عن صديقنا الطالب الشهيد عبد الوهاب البتانوني، وعن أخينا الفلاح حسن الطويل.

ذهب (المتطوعون) كما سموهم باختيارهم، مؤدين حق الإسلام وحق الجهاد عليهم، متاجرين مع الله في أربح صفقة، بائعين أرواحهم لله تعالى.

 

ولقد دخلت جيوش الدول العربية السبع، التي كانت تتكون منها الجامعة العربية إلى فلسطين، وهي لا تدري تماما الهدف من دخولها؟ ومع كل جيش منها، مشكلة: هذا على رأسه قائد إنجليزي، وهذا يحارب بأسلحة فاسدة كما قيل، وهذا ليس عنده أوامر، ولم يكن ضباط هذه الجيوش أحرارا في اتخاذ قرارهم، حتى قال بعض قادة الجيش المصري: إني لا أخاف من (شرتوك) تل أبيب، بقدر ما أخاف من شراتيك القاهرة!

 

ومعنى هذا أن كثيرا من الضباط الكبار في الجيش المصري، لم يكونوا على دين السياسيين والزعماء المستسلمين، وكان لبعضهم دور مشكور، مثل اللواء المواوي، واللواء صادق، وسيد طه، الملقب بالضبع الأسود.

 

ومما شكا منه المخلصون الواعون أن الجيوش العربية لم يكن بينها أي قدر من التنسيق، ناهيك بالتعاون والتضامن.

على أي حال لم تستطع جيوش الدول الرسمية أن تقاوم عصابات بني صهيون. وحوصر الجيش المصري في (الفالوجا) وكان فيه جمال عبد الناصر وبعض الضباط الأحرار.

 

وأسر بعض الضباط المصريين، ومنهم الرائد (الصاغ) معروف الحضري، وكان الذين قاموا بدور ملموس في ذلك الوقت هم المتطوعون الإسلاميون، الذين ضربوا أروع الأمثال في التضحية والفداء والإيثار، سواء منهم من كان تحت قيادة البطل أحمد عبد العزيز، أم تحت قيادات إخوانية مثل كامل الشريف وغيره من قادة الإخوان.

 

لقد وضع هؤلاء الشباب الأبطال رؤوسهم على أكفهم، ولم يبالوا أوقعوا على الموت أم وقع الموت عليهم، فهم لا يهابون الموت، بل يسعون إليه، وإنما هي إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة في سبيل الله؟ وهل هناك درجة أعلى من الشهادة في سبيل الله؟

 

على أنهم يؤمنون أن الأعمار أيام معدودة، وأنفاس محدودة، وأن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، وأن لكل إنسان أجلا مسمى، وأن من لم يمت بالسيف مات بغيره، وأن الموت في سبيل الله هو عين الحياة "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون" (آل عمران:169).

 

حتى قال أحد القادة البريطانيين في أول معركة دخل فيها هؤلاء، واستشهد فيها اثنا عشر من شباب الإسلام، كان بينهم بعض طلاب الأزهر من شبين الكوم مثل صديقنا حلمي جبريل وإخوانه: لو كان معي ثلاثة آلاف من هؤلاء لفتحت بهم الفتوح.

 

ولقد حكى الأستاذ كامل الشريف في كتابه التاريخي (الإخوان المسلمون في حرب فلسطين) صورا رائعة، لبطولات فارعة لهؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى. حتى إنه كان إذا أراد واحدا أو اثنين أو ثلاثة لمهمة عسكرية خطيرة، تقدم إليه العشرات، يتسابقون أيهم يقوم بالمهمة، فلا يفصل بينهم إلا القرعة.

 

ولقد كان أحدهم يصاب في المعركة، فيفقد ساقه أو ذراعه، فينظر إلى العضو المصاب، وهو ينشد ما أنشده الصحابي خبيب بن عدي:

ولست أبالي حين أقتل مسلما * على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ * يبارك عــلى أوصال شلو ممزع

 

ولقد قال بعض ضباط اليهود للرائد معروف الحضري، وهو أسير لديهم: نحن لا نخاف من الجيوش العربية، ولكننا حقيقة نخاف من جماعة (الله أكبر)، أي من شباب المتطوعين. قال لهم: وما الذي يخيفكم منهم وهم قليلو الخبرة بالأمور العسكرية، وسلاحهم متواضع؟ قال له: نحن لا نخاف من سلاحهم ولا من تدريبهم، ولكن نخافهم لأمر مهم، هو: إننا ـ نحن اليهود ـ جئنا من أقطار شتى إلى هذه الأرض لنعيش، وهؤلاء جاءوا من أقطارهم إليها ليموتوا، فكيف نواجه أمثال هؤلاء؟!

 

قيام دولة الكيان الصهيوني "إسرائيل" أخطر أحداث القرن:

كان من أعظم أحداث القرن العشرين خطرا، وأبعدها أثرا: قيام دولة الكيان الصهيوني العدواني المغتصب التي سموها (إسرائيل)، وذلك في 15 مايو 1948م، وهي الدولة التي خطط لها (هرتزل) وجماعته، وعقدوا لها مؤتمر (بازل) 1897م،  وأعلن فيه أن الدولة اليهودية ستقوم بعد خمسين سنة.

 

كان هذا حصاد غرس مر طويل، عمل فيه اليهود بمساندة الاستعمار الغربي عقودا مديدة من الزمن، وقاوم الفلسطينيون ما وسعتهم المقاومة، ولكن المؤامرة كانت أكبر من طاقتهم ومن إمكاناتهم المحدودة، وقد كان العرب والمسلمون في غفلة لاهية عما يجري. وكان من مكر اليهود أن كادوا كيدهم لتحطيم القلعة الإسلامية التاريخية التي كانت تصون وحدة المسلمين، وتعبر عن أمتهم، وهي (الخلافة الإسلامية) لأن السلطان عبد الحميد رفض مطالب هرتزل وجماعته، برغم ملايين الليرات الذهبية لخزانة الدولة، ولخزانته الخاصة.

 

وكان ضياع الخلافة هو الخطوة الأولى لضياع فلسطين. أجل، لو كان للمسلمين خليفة مطاع مسموع الكلمة، لأصدر نداء عاما للأمة المسلمة في مشارق الأرض ومغاربها: أن يهبوا لإنقاذ أولى القبلتين، وأرض الإسراء والمعراج، وألا يمكنوا شذّاذ الآفاق من اليهود من الاستيلاء عليها، وأن ينفروا خفافا وثقالا، ويجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وكان المفروض أن يهب المسلمون عن بكرة أبيهم، لإنقاذ أرضهم، ومقدساتهم، وطرد عدوهم، ونجدة إخوانهم.

 

لم يكن قيام دولة الاغتصاب الصهيوني نكبة للفلسطينيين وحدهم، بل كان نكبة للأمة الإسلامية كلها، عربهم وعجمهم، كما كان نكبة للعرب جميعا، مسلمهم ومسيحهم.

وقد ظل الإعلام العربي ممثلا في صحفه وإذاعاته لا يذكر كلمة (إسرائيل) إلا ويلحقها بوصف (المزعومة) وذلك لعدة سنوات، ثم خجلنا من أنفسنا بعد أن أصبحت هذه المزعومة تعيث فسادا في المنطقة العربية، ولا نجد من يردها أو يؤدبها، فهي تصفع هذه الجهة، وتركل تلك، ونكتفي نحن بالشجب والاستنكار، والشكوى لمجلس الأمن، حتى بلغت شكاوانا عند مجلس الأمن آلافا، عند ذلك تركنا كلمة (المزعومة) بعد أن أوشكنا أن نكون نحن المزعومين!