د. يوسف القرضاوي

إن المسلم الحق ليس ذنبًا أو إمعة، يسير وراء الناس حيث ساروا، ويأخذ منهم ما خبث وما طاب، ولكنه يتطلع ويتوق ويرنو دائمًا إلى الأحسن من كل شيء، وقد أثنى الله تعالى على المهديين العقلاء المبشرين من عباده، فقال: {فَبَشِّرۡ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (الزمر: 17، 18) .

وهذا شأن المسلم مع الثقافات والحضارات، إنه يأخذ أحسن ما فيها، ويضمه إلى ما عنده، ويضفي عليه من روحه، ما يفقده جنسيته الأولى، ويغدو جزءًا من منظومة المسلم الثقافية.

إنه أشبه في صلته بالثقافات المتنوعة، بالنحلة، التي تعمل بهُدى وحي ربها إليها، وإلهامه إياها، تنتقل بين الأشجار والأزهار، تأكل من كل الثمرات الطيبة، سالكة سبل ربها ذللًا، ثم تمتص ما تأكله وتهضمه وتتمثله، ثم تحوله إلى شراب يخرج من بطونها مختلفًا ألوانه، فيه شفاء للناس.

وفي الحديث النبوي: «مثل المؤمن مثل النحلة، لا تأكل إلا طيبًا، ولا تضع إلا طيبًا»(1).

وهكذا يستطيع المسلم الناضج الراسخ في إيمانه وعلمه: أن يقرأ ما شاء من الفلسفات، ويطلع على ما شاء من الثقافات، ومنها الثقافة الغربية الحديثة، ثم يقتبس منها ما يلائم عقيدته ومفاهيمه عن الوجود وعن المعرفة وعن القيم، وما يتفق مع نظرته إلى الألوهية وإلى الكون والإنسان والحياة والتاريخ.

فهو يأخذ ما يأخذ عن بينة ... ويدع ما يدع على بصيرة.

يستطيع المسلم الحق أن يقتبس ما يراه حقًّا من المنهج الشكي لديكارت، ومن مثالية هيجل، ومن مادية ماركس، ومن وضعية كونت، ومن نشوئية دارون، ومن تحليل فرويد، ومن مجتمعية دوركايم، ومن واجبية كانت، ومن تطورية سبنسر، ومن حدسية برغسون، ومن براغماتية جيمس، ومن عقلانية راسل، ومن تشاؤمية شبنجلر، ومن تفاؤلية توينبي، ومن وجودية سارتر.

يأخذ من هؤلاء ومن غيرهم ما يلائمه، ويدع ما لا يلائمه، يُدخِل هذا كله في مصفاة عنده للتنقية والتمييز، فيأخذ ما صفا من كل شوب، ويدع الشوائب والرواسب والكدورات، فموقفه موقف المتخير المميز بين ما يقبله ويعرفه منطق العقل، ومنطق الدين، ومنطق العلم، وما لا يقبله ولا يعرفه، فهو يرحب بالمعروف، ويعرض عن المنكر.

إن رفضنا للنظرية الكلية لبعض هؤلاء، مثل دارون أو كونت أو ماركس أو فرويد أو دوركايم، لا يعني أن يكون كل ما قالوه باطلًا، فليس هذا من طبيعة الأشياء، ولا من سنن الله في البشر؛ ولهذا لا مانع أن يجد المسلم في هذه النظريات بعض ما يفيده في تفسير بعض القضايا أو حل بعض المشكلات النظرية أو العملية.

إن المسلم إذا بلغ درجة من النضج والرسوخ لا يخشى عليه من أية مذاهب أو فلسفات يطلع عليها، كما لا يخشى على السباح الماهر، والغواص المتمرس، من نزول البحر أو السباحة فيه. إنما يخشى فقط على من لا يحسن السباحة، أو قليل الخبرة إذا خاض اللجج وهو غير متهيئ لملاقاتها.

كما أن السباح البصير ينأى بنفسه عن مواقع الخطر، والدوامات البحرية التي تبتلع من يقترب منها، مهما تكن مهارته، فهي كالوحش الفاغر فاه، أشبه بالحيتان الكبيرة وأسماك القرش ونحوها مما لا طاقة للإنسان به.

ومن هنا يستطيع المسلم المتمكن والمؤمن القوي أن يقرأ فلسفات الغرب، ويطلع على آراء فلاسفته، رغم اختلاف مدارسهم، وتباين توجهاتهم، ويأخذ منها ويدع، وفقًا لمسلماته الدينية والعقلية، دون أن يحكم في ذلك هوى متبعًا، أو تقليدًا سائدًا، أو ظنًّا لا يقوم على يقين، ولا يغني من الحق شيئًا.

ليس من الحكمة ولا من الصواب إذن أن نرفض - باسم الإسلام وبمنطق شريعته - الحقيقة؛ لأنها وجدت بين ثنايا الأباطيل، كالذي يرفض كل حكمة أو موعظة وجدت في كتب اليهود أو النصارى، أو وجدت في كتب الفلاسفة الماديين المنكرين للألوهية أو للنبوة أو للبعث، أو غيرهم من الفلاسفة والعلماء أصحاب النظريات المختلفة في تفسير نشأة الكون أو في تفسير السلوك أو في تفسير التاريخ، أو غير ذلك مما يتنافى مع وجهة الدين وفلسفته، أو مع شريعته وأحكامه.

وقد شكا الإمام الغزالي قديمًا من هذه الآفة: آفة رد الحق إذا وجد في كتب أهل الباطل واعتبرها آفة عظيمة «إذ ظنت طائفة من الضعفاء أن ذلك الكلام إذا كان مدونًا في كتبهم، وممزوجًا بباطلهم، ينبغي أن يهجر ولا يذكر، إذ لم يسمعوه أولًا إلا منهم، فسبق إلى عقولهم الضعيفة أنه باطل؛ لأن قائله مبطل، كالذي يسمع من النصراني قول: «لا إله إلا الله، عيسى رسول الله»فينكره ويقول: «هذا كلام نصراني» ولا يتوقف ريثما يتأمل أن النصراني: كافر، باعتبار هذا القول، أو اعتبار إنكاره نبوة محمد سسس فإن لم يكن كافرًا إلا باعتبار إنكاره، فلا ينبغي أن يخالف في غير ما هو به كافر، مما هو حق في نفسه، وإن كان أيضًا حقًّا عنده.

والعاقل يقتدي بقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالبررر، حيث قال: «لا تعرف الحق بالرجال، بل اعرف الحق، تعرف أهله».

والعاقل يعرف الحق، ثم ينظر في نفس القول، فإن كان حقًّا قبله سواء كان قائله مبطلًا، أو محقًّا، بل ربما يحرص على انتزاع الحق من أقاويل أهل الضلال، عالمًا بأن معدن الذهب: الرغام(2). ولا بأس على الصراف إن أدخل يده في كيس القلاب، وانتزع الإبريز الخالص، من الزيف والبهرج، مهما كان واثقًا ببصيرته، وإنما يزجر عن معاملة القلَّاب القروي، دون الصيرفي البصير، ويمنع من ساحل البحر الأخرق دون السباح الحاذق، ويصد عن مس الحية الصبي، دون المعزَّم البارع.

ولعمري، لما غلب على أكثر الخلق ظنهم بأنفسهم الحذاقة والبراعة، وكمال العقل، في تمييز الحق عن الباطل، والهدى عن الضلالة، وجب حسم الباب في زجر الكافة عن مطالعة كتب أهل الضلالة ما أمكن؛ إذ لا يسلمون من الآفة الثانية التي سنذكرها، وإن سلموا عن الآفة التي ذكرناها.

ولقد اعترض على بعض الكلمات المبثوثة في تصانيفنا، في أسرار علوم الدين، طائفة من الذين لم تستحكم في العلوم سرائرهم، ولم تتفتح إلى أقصى غايات المذاهب بصائرهم.

وزعمت:  أن تلك الكلمات من كلام «الأوائل»(3)، مع أن بعضها من مُولِّدات الخواطر، ولا يبعد أن يقع الحافر على الحافر.

وبعضها يوجد في الكتب الشرعية.

وأكثرها موجود معناه في كتب الصوفية.

وهب أنها لم توجد إلا في كتبهم، فإذا كان ذلك الكلام معقولًا في نفسه مؤيدًا بالبرهان؛ ولم يكن على مخالفة الكتاب والسنة، فلِمَ ينبغي أن يهجر، أو ينكر؟

فلو فتحنا هذا الباب، وتطرقنا إلى أن نهجر كل حق سبق إليه خاطر مبطل لزمنا أن نهجر كثيرًا من الحق، ولزمنا أن نهجر جملة آيات من القرآن، وأخبار الرسول، وحكايات السلف، وكلمات الحكماء، والصوفية؛ لأن صاحب كتاب «إخوان الصفا»أوردها في كتابه، مستشهدًا بها ومستدرجًا قلوب الحمقى بواسطتها إلى باطله، ويتداعى ذلك إلى أن يستخرج المبطلون الحق من أيدينا، بإيداعهم إياه في كتبهم.

وأقل درجات العالم: أن يتميز عن العامي الغمر(4)، فلا يعاف العسل وإن وجده في محجمة الحجام، ويتحقق بأن المحجمة لا تغير ذات العسل، فإن نفرة الطبع منه، مبنية على جهل عامي، منشؤه أن المحجمة إنما صنعت للدم المستقذر، فيظن أن الدم مستقذر لكونه في المحجمة، ولا يدري أنه مستقذر لصفة في ذاته، فإذا عدمت هذه الصفة في العسل فكونه في ظرفه، لا يكسبه تلك الصفة، فلا ينبغي أن يوجب له الاستقذار.

وهذا وهم باطل، وهو غالب على أكثر الخلق، فمهما نسبت الكلام، وأسندته إلى قائل حسن فيه اعتقادهم، قبلوه، وإن كان باطلًا. وإن أسندته إلى من ساء فيه اعتقادهم؛ ردَّوه، وإن كان حقًّا.

فأبدًا يعرفون الحق بالرجال، ولا يعرفون الرجال بالحق، وهو غاية الضلال!!». انتهى من «المنقذ من الضلال».

......................

- من كتاب "ثقافتنا بين الانفتاح والانغلاق" لفضيلة العلامة.

(1) رواه الطبراني وابن حبان في «صحيحه» عن أبي رزين. ذكره في «صحيح الجامع الصغير» (5847)، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو، رواه أحمد والحاكم (1/75، 76) وصححه ووافقه الذهبي. وانظر: «الإحسان»الحديث (247) وتعليق المحقق عليه.

(2) الرغام: التراب.

(3) يقصد بـ «الأوائل»: الفلاسفة القدماء.

(4) رجل غمر: لم يجرب الأمور.