د. يوسف القرضاوي

من القواعد التي ينبغي للمفتي المعاصر التزامها: ألا يشغل نفسه ولا جمهوره إلا بما ينفع الناس، ويحتاجون إليه في واقع حياتهم.

أما الأسئلة التي يريد بها أصحابها المراء والجدل، أو التعالم والتفاصح، أو امتحان المفتي وتعجيزه، أو الخوض فيما لا يحسنونه، أو إثارة الأحقاد والفتن بين الناس، أو نحو ذلك، فكنت أضرب عنها صفحا، ولا ألقي لها بالا، لأنها تضر ولا تنفع، وتهدم ولا تبني، وتفرق ولا تجمع.

كان بعض الناس يبعثون إلي بأسئلة تتضمن ألغازا شرعية يريدون حلها من مثل: "نوى ولا صلى، وصلى ولا نوى" و"قوم كذبوا ودخلوا الجنة، وقوم صدقوا ودخلوا النار" وأشباه ذلك، فكان ردي عليها السكون والإعراض لأن الاشتغال بمثل هذه المسائل من عمل الفارغين.

ومثل ذلك الأسئلة التي تتعلق بالأمور الغيبية، مما لم يجئ بتحديده نص معصوم، ومثل ذلك غوامض المسائل الدينية والعقائدية التي لا تحتملها الطاقة العقلية المعتادة لجمهور الناس، ويخشى من الخوض فيها ـ سؤالا وجوابا ـ التشويش على الكثيرين.

فهذا أيضا مما لا أعتني بالإجابة عنه إلا إزالة لشبهة، أو ردا لفرية، أو تنبيها على قاعدة، أو تصحيحا لفهم، أو نحو ذلك.

ومما قاله في ذلك الإمام شهاب الدين القرافي:

"ينبغي للمفتي إذا جاءته فتيا في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو فيما يتعلق بالربوبية، يسأل فيها عن أمور لا تصلح لذلك السائل لكونه من العوام الجلف، أو يسأل عن المعضلات، ودقائق الديانات، ومتشابه الآيات والأمور التي لا يخوض فيها إلا كبار العلماء، ويعلم أن الباعث له على ذلك إنما هو الفراغ والفضول والتصدي لما لا يصلح له، فلا يجيبه أصلا، ويظهر له الإنكار على مثل هذا، ويقول له: اشتغل بما يعنيك من السؤال عن صلاتك وأمور معاملاتك، ولا تخض فيما عساه يهلكك، لعدم استعدادك له.

وإن كان الباعث له شبهة عرضت له: فينبغي أن يقبل عليه، ويتلطف به في إزالتها عنه بما يصل إليه عقله، فهداية الخلق فرض على من سئل.

قال: والأحسن أن يكون البيان له باللفظ دون الكتابة، فإن اللسان يفهم ما لا يفهم القلم، لأنه حي، والقلم موات، فإن الخلق عباد الله، وأقربهم إليه أنفعهم لعياله، ولا سيما في أمر الدين وما يرجع إلى العقائد".

وكثيرا ما كنت أطلب من صاحب السؤال إذا أحسست جديته، وخشيت على جمهور المستمعين أو المشاهدين التشويش، أن يلقاني على انفراد، لأستطيع أن آخذ معه وأعطي، بلا حرج ولا خشية.

ومن الأسئلة التي لم أكن أعبأ بها: ما يتعلق بالمفاضلة بين آل البيت والصحابة رضي الله عنهم وما شجر بينهم من خلاف، ونحو ذلك مما لا طائل تحته، وقد أفضى الجميع إلى ربهم، وقضى الله ما كان.

سئل الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز عن قتال أهل صفين، فقال: تلك دماء كف الله عنها يدي، فلا أحب أن يلطخ بها لساني!

ومن الأسئلة التي يحرص بعض الناس على إثارتها، وتلقيت في شأنها أكثر من رسالة:

أيهما أفضل عند الله: أبو بكر أم علي؟ وأيهما كان أحق بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

أيهما أفضل: فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم عائشة أم المؤمنين زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

ومثل ذلك: المفاضلة بين الأنبياء، مثل إسماعيل وإسحاق، أو موسى وعيسى.

أسئلة لا يترتب عليها العلم بها، قوة في دين، ولا نهضة في دنيا، ومن جهل الجواب عنها فلا إثم عليه، ومن كون في كل منها رأيا فهيهات أن يتنازل عنه.

ولقد قلت في بعض إجاباتي عن مثلها: إنها أشبه بموضوعات الإنشاء التي كان معلمونا ـ ونحن تلاميذ صغار ـ يكلفوننا الكتابة فيها تدريبا للقلم، وشحذا للملكات، مثل: المفاضلة بين الليل والنهار، وبين الصيف والشتاء، وبين الأرض والسماء، وبين القطار والسفينة، وغير ذلك مما لا معنى للمفاضلة بين بعضها وبعض عند أهل البصر والبصيرة.

إن الله تعالى ورسوله عابا على بني إسرائيل كثرة أسئلتهم، واختلافهم على أنبيائهم، وسؤالهم فيما لا ضرورة إليه، ولا فائدة منه إلا إعنات أنفسهم، وفي هذا ذكر الله تعالى لنا قصة ذبح البقرة وكثرة أسئلتهم فيها دون حاجة، ولو أخذوا أي بقرة فذبحوها لكانوا ممتثلين للأمر، ولكن شددوا، فشدد الله عليهم.

وما ذكر الله لنا هذه القصة إلا لتكون لنا عظة وعبرة.

...................

- من كتاب "الفتوى بين الانضباط والتسيب" لفضيلة الشيخ.