في شتاء سنة 1985م اتصل بي من سويسرا: الأخوان الكريمان يوسف ندا وغالب همت، وقالا لي: إن الأخ أنور إبراهيم مؤسس جمعية «أبيم» - الشبيبة الإسلامية - في ماليزيا، والوزير الآن في الحزب الحاكم، وأنت تعرفه، يلح في ضرورة زيارتك لماليزيا، لإطفاء فتنة بين الماليزيين المسلمين بعضهم وبعض، فقد انتشرت بين جماعة منهم: بدعة التكفير لإخوانهم المسلمين، وخصوصًا شباب «الحزب الإسلامي» المتحمسين، فهم يكفرون حزب «أمنو» الحاكم لماليزيا، ويطالبونهم بتحكيم الشريعة فورًا، وإلا حكموا عليهم بالكفر البواح، واستدلوا بالآيات الكريمة: {وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ} {هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ} {هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} [المائدة: 44، 45، 47].

قلت للأخوين: نعم، أنا أعرف أنور إبراهيم، ولقيته أكثر من مرة في ماليزيا، أعرف حُسن فهمه وحماسته للإسلام، كما أني ضد بدعة التكفير والغلو فيه، وقد كتبت فيه رسالتي المركزة المعروفة: «ظاهرة الغلو في التكفير».

ولكني أتخوف دائمًا من دخول مثل هذه المعتركات، خشية أن تستغل سياسيًا في تأييد طرف ضد طرف آخر، وأكون أنا أداة في يد أحد الفريقين لضرب الفريق الآخر، وأنا لا أدري.

قالوا: إنَّ مهمتك هي الإصلاح، وتجميع القوى الإسلامية، ولا سيما أن لماليزيا وضعًا خاصًا لا يخفى عليك، ولا بد لإخوتنا في الحزب الإسلامي أن يدركوا هذا الوضع، ويراعوا هذه الظروف. وليس مهمتك أن تهاجم الحزب الإسلامي أو تنال منه بكلمة واحدة، وأنت حر تمام الحرية فيما تقول، وليس من حق أحد أن يفرض عليك، أو حتى يقترح عليك ما تقول.

قلت: دعوني أصلي صلاة استخارة، فما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ثم أجيبكم بموقفي بعدها.

قالوا: لك ذلك، والله يختار لك الخير، ويهديك إلى أرشد الأمرين.

وبعد يومين أو ثلاثة اتصلا بي، وسألاني عن رأيي، فقلت: على بركة الله. ولكن اطلبوا من الأخ أنور أن يرسل إلى أمير دولة قطر الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني الرئيس الأعلى لجامعة قطر، يطلب منه الموافقة على سفري إلى ماليزيا، فأنا أستاذ في الجامعة ولا أستطيع أن أتغير هذه المدة بلا إذن. وبخاصة أنه يطلب زيارة طويلة تمتد أسبوعين.

الوصول إلى ماليزيا:

وما أسرع ما جاء الكتاب إلى الأمير، وما أسرع ما وافق الأمير على سفري، وما أسرع ما حجزت وسافرت. ووجدت الأخ الأستاذ أنور في انتظاري عند باب الطائرة، وأظنه كان في ذلك الوقت وزيرًا للتربية، فقد تنقل أخونا أنور بين عدة وزارات: الشباب والزراعة والتربية والمالية أخيرًا مع نيابة رئيس الوزراء.

وقد أقام أخونا الحبيب أنور مأدبة كبيرة في بيته دعا إليها عددًا من الوجهاء والعلماء وبعض إخوانه القدامى في جمعيته التي أنشأها للشيبة المسلمة الماليزية (أبيم).

وكان المقصود أن أتعرَّف على بعض هذه الوجوه، ويتعرفوا علي، فهذا التعارف مهم، بل ضروري للدعاة الذين يتعاملون مع الناس.

نشاط مكثف:

بدأت - أول ما بدأت - نشاطي في العاصمة كوالا لامبور، وقد جمع الأستاذ أنور: كبار المسئولين في الوزارات المختلفة - مستوى وكيل وزارة ومدير عام، وأمثالهم - لألتقي بهم، وأوُجههم الوجهة التي أحب، وأستمع إلى أسئلتهم وأجيب عنها.

وقد اجتمعت بهؤلاء الموظفين الكبار، وألقيت عليهم كلمة توجيهية مناسبة، تتضمن ما يطلبه الإسلام من المسلم في أداء عمله، حتى يكون الشخص القوي الأمين، والحفيظ العليم، وأن إتقان العمل في الإسلام عبادة وفريضة، فإن الله كتب الإحسان - الإتقان - على كل شيء، والله تعالى يحب من أحدنا إذا عمل عملًا أن يحسنه ويتقنه، فإن الله يحب المحسنين.

وتتضاعف مسئولية العامل إذا كان على رأس العمل، وكان مسئولًا عن غيره، فإن الله تعالى سائل كل راع عمن استرعاه، حفظ أم ضيَّع، وكل راع مسئول عن رعيته.

ولا يكفي في حسن الإدارة القوانين واللوائح المنظمة للعمل، بل لا بد - وراء ذلك كله - من الوزاع الذاتي، والضمير الحي، الذي هو رقيب على صاحبه، وإن غاب الرقباء. وهو الذي جعل الفتاة تقول لأمها: إذا كان أمير المؤمنين لا يرانا، فإن رب أمير المؤمنين يرانا.

وهو الذي جعل العبد المملوك راعي الغنم، حين سأله عمر أن يبيعه شاة من غنمه، فقال له: إنها ليست له، بل هي لسيده، فأراد عمر أن يختبره، وقال له: خذ ثمنها، وقل لسيدك: أكلها الذئب! فقال له: يا هذا، فأين الله؟! وكان لا يعرف أن محدثه أمير المؤمنين.

إن رقابة الله سبحانه أهم من رقابة القانون، فإن القانون يمكن الاحتيال عليه، والله جل جلاله لا يمكن أن يُحتال عليه، فهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يعلم السرَّ وأخفى.

وكان هناك من يترجم كلامي إلى الماليزية، فنحو تسعين في المائة أو أكثر من هؤلاء لا يعرفون العربية.

وبعد كلمتي تلقيت سيلًا من الأسئلة من الحضور حول أمور إسلامية شتى، أجبت عنها كلها بما وفقني الله إليه، وكان الجميع مستريحين لإجابتي، حتى قال بعض كبارهم: إذا كان هذا هو الإسلام، فكلنا دعاة للإسلام.

قلت لهم: أنا لم أقل شيئًا من عندي أو من بنات أفكاري، كل ما قلته لكم، قد دللت عليه، ورددته إلى أصله من الكتاب والسنة. فنحن لا ننشئ إسلامًا، فإن الإسلام قد أنشأه الله تعالى وأكمله من قديم: {ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ} [المائدة: 3]، ولكن مهمتنا أن نبين حقائق الإسلام، ونشرحها للناس، ونبلغها لهم بلسانهم الذي يفهمونه، كما قال تعالى: {وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡ} [إبراهيم: 4].

وقال بعضهم: ليتنا نلتقيك مرة أخرى، لنستزيد معرفة بديننا وواجباتنا، ولا أذكر هل تحقق لقاء آخر مع هذه النخبة أو لا؟

لقاء مع العلماء:

كما هيأ أخونا الحبيب الأستاذ أنور إبراهيم لقاء مع مجموعة من العلماء الشرعيين في ماليزيا، وكان اللقاء بالعلماء مريحًا، فهم جميعًا يعرفون العربية، ومعظمهم درسوا علوم الشرع واللغة العربية بالأزهر الشريف، وصلة هذه البلاد الإسلامية - ماليزيا وإندونيسيا - بالأزهر الشريف صلة قديمة وثيقة، ولا تزال(1).

وقد ذكرت إخواني العلماء بواجبهم في تعليم الإسلام والدعوة إليه بلغة عصرهم، فلغة الكتب القديمة لم تعد تصلح لخطاب أهل هذا الزمن. وقد رأينا القرآن الكريم يتغير خطابه ما بين العهد المكي والعهد المدني، ورأينا الرسول الكريم يجيب كل سائل بما يليق بحاله.

ولا يجوز بحال أن نعيش وحدنا في صوامع منعزلة عما يجري في المجتمع من حولنا، وخصوصًا مجتمع النخبة المثقفة، التي أصبح جلها غربي الفكر والثقافة، وإن كان شرقي الجنس والزي.

وقلت لهم: إن المكتبة الإسلامية الآن غدت عامرة بالكتب المهمة في جوانب متعددة من الفكر الإسلامي، بعضها في العقيدة، وبعضها في العبادة، وبعضها في الفقه والمعاملات، وبعضها في الأخلاق، وبعضها في قضايا متعددة في الدين والدولة والإنسان والحياة والعالم. ولا بد لنا أن ننهل منها، وألا ننعزل عما حولنا.

كما يجب عليكم - معشر العلماء - أن تنقلوا إلى الماليزية: خير ما تنتقونه من هذه المؤلفات الجديدة، حتى تؤدوا حقَّ مجتمعكم عليكم، وتسهموا في تنويره وتطويره، وإلا خطفه منكم العلمانيون والتغريبيون. فهم يعملون ليل نهار، محاولين أن يسبقوكم ويستولوا على الأرض الخضراء قبلكم، ومن سبق أكل النَبَق، كما يقول المثل المصري.

أنا أعلم أنكم شافعية، ولكن إمامكم الشافعي لم يكن جامدًا، فقد عرفتم أن له مذهبين قديمًا وحديثًا، الأول حين كان في العراق، والثاني حين استقر في مصر، وأصبح يقال في كتب المذهب: قال الشافعي في القديم، وقال الشافعي في الجديد. فلماذا لا تقلدون إمامكم في التغيير والتطوير والتجديد، كما تقلدونه في المسائل الفرعية الجزئية؟!

وعلى العادة سألني المشايخ الحضور عددًا من الأسئلة حول موضوعات شتى: في العبادات والمعاملات، أجبتهم عنها بما فتح الله به علي.

ثم ختمنا اللقاء بالذكر والدعاء: «سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك»(2) {سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ 180 وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلۡمُرۡسَلِينَ 181 وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} [الصافات: 180 - 182].

لقاء الإخوة في الحزب الإسلامي:

كما سعدت بلقاء بعض الإخوة في الحزب الإسلامي، نسيت أسماءهم، لا أذكر إلا الأخ يحيى عثمان، وتحدثت معهم حديثًا صريحًا، حول تطبيق الشريعة في ماليزيا، وقلت لهم: إن تطبيق الشريعة فورًا في ظروفنا الحالية أمر صعب، ولا بد من تمهيد الأرض بالحرث قبل بذر البذور.

وإذا كنا نحن في بلادنا العربية العريقة في الإسلام، والناقطة بلغة القرآن والخالصة - تقريبًا - للمسلمين: لم نوفق إلى اليوم في التطبيق الفوري للشريعة كلها، حتى في بلاد الخليج الملحقة بجزيرة العرب، لم تفعل ذلك للأسف، فكيف ببلاد لها ظروفها الخاصة المعروفة مثل ماليزيا؟

ومن المعلوم: أن حوالي 45% من سكانها غير مسلمين، من الصينيين والهندوس، الذين جلبهم الاستعمار البريطاني للعمل في هذه البلاد، ثم استقروا فيها، وأمسوا يملكون نحو 80% من ثروة ماليزيا، البنوك والمؤسسات المالية، والفنادق والمصانع والمتاجر الكبرى والعمارات الشاهقة في كوالا لامبور: كلها ملك أيديهم. والعنصر الملاوي المسلم - وهم أهل البلاد الأصليون - يعيش معظمهم على الزراعة، وحتى المحصولات الزراعية، يبيعونها للصينيين، ليكسبوا من ورائها أرباحًا طائلة.

المهم الآن: أن نقوِّي العنصر الملاوي المسلم في ماليزيا، ونهيئ له الفرص، ليأخذ وضعه، ويحتل مكانته في بلده، ويملك نصيبه العادل من ثروتها، ولا بد من تكثير عدد المسلمين، حتى لا يزاحمهم الصينيون والهندوس. وهذا يحتاج إلى إعداد وتخطيط من المسلمين، ليكثر عدد المتعلمين منهم، ولا سيما الذي يستمرون في الدراسات العليا، ولا بد من إعادة النظر في تأهيل المسلمين اقتصاديًا، ليشاركوا في تنمية بلادهم، وامتلاك ثروتها بقدر عددهم.

جولات في ولايات ماليزيا:

ثم عقدت العزم على أن أزور ما أمكنني من ولايات ماليزيا... ومن الطرائف: أن ولايات ماليزيا تتسمّى بأسماء إسلامية لم أرها في غيرها من الأقطار. وكل ولاية منها تسمى «دارا».

فهناك دار الإيمان، ودار الإحسان، ودار الرضوان، ودار النعيم، إلى آخره، إلا كوالا لامبور، فقد سألناهم عن اسمها فقالوا: هذه ليست دارا.

وبعض هذه الدور أو الولايات، انتقلنا إليها بالسيارة، ونركبها حوالي أربع ساعات أو أكثر، وبعضها وصلنا إليها بطائرة خاصة وفرتها لنا الدولة، وهي في الغالب طائرة عسكرية، تأخذ مع الطيار راكبين أو ثلاثة.

وفي كل هذه الزيارات: تنظم محاضرة عامة ألقيها في قاعة كبيرة، أو في أحد المساجد، وتلقى عليَّ بعدها الأسئلة، ثم تهيأ زارات خاصة لبعض الشخصيات، أو بعض الكليات أو المدارس، أو الجمعيات، وفي كل منها يكون اللقاء والحديث وترجمة حديثي إلى الماليزية وفي العادة أن الترجمة تضاعف الوقت، ولا يستثنى من ذلك إلا في بعض الكليات الإسلامية، التي تدرس مقرراتها بالعربية، ويفهم طلابها العربية، وإن كانوا قد لا يحسن أكثرهم النطق بها.

وكثيرًا ما كنا ننتقل في الليل من مدينة إلى مدينة، حرصًا على الوقت، الذي يوشك أن ينفد، ولم نذهب إلى كل الولايات.

وأذكر أن الذي كان يترجم في أكثر الأحيان هو الأخ دحلان، الذي كلفه الأستاذ أنور بمرافقتي، وهو يجيد العربي إجادة تامة، دون لكنة أعجمية، كما عند غيره، كما أنه مدرب على الترجمة تديبًا جيدًا جدًا، ولا سيما ما يتعلق بالفكر الإسلامي، والدعوة الإسلامية.

زيارة الجامعات الماليزية:

وبعد جولتي الطويلة في الولايات المتعددة، عدت إلى العاصمة، لأستكمل نشاطي فيها، ومن ذلك: زيارتي إلى الجامعات: جامعة الملايو، والجامعة الوطنية، حيث هيئت لي محاضرات فيها للطلاب أساسًا ولمن استطاع الحضور من الأساتذة.

ولم تكن الجامعة الإسلامية العالمية قد أنشئت بعد.

ثم كان لا بد أن أودع الإخوة - وخصوصًا الأستاذ أنور إبراهيم - الذي جاء مع بعض رفقائه، ليزجي الشكر إلي باسم الشعب، وباسم الحزب، وباسم الحكومة، على هذه الوجبة الدسمة من التوعية والتنوير والتفقيه في الدين، وقال: إننا لا نستطيع أن نكافئك، ولكن الله هو الذي يكافئك.

قلت له: أنا لم أفعل شيئًا أكثر من أداء بعض ما هو واجب علي، وأنا أنظر إلى المسلمين في كل مكان: أنهم أهلي وإخوتي، وإلى أوطانهم: أنها داري.

قال: ولنا طلب عندك. قلت: مُرْ. قال: نرجو ألا تنسى ماليزيا، وأن تدخلها في برنامجك دائمًا، لما لها من ظرف خاص. قلت: أعدك إن شاء الله. وأساله تعالى العون {وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} [الفاتحة: 5].

والحمد لله. قد تكررت زياراتي لماليزيا. سددها الله.

................

(1) علمت من المسئولين في الأزهر، ومن سفارة ماليزيا في القاهرة، في ذلك الوقت أن نحو ستة آلاف طالب من ماليزيا يدسون في الأزهر، في معاهده وكلياته المختلفة.

(2) رواه أحمد (19769)، وقال مخرجوه: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين عن أبي برزة الأسلمي.