توتر الأجواء بين الإسلاميين والعلمانيين:

في صيف سنة 1985م، بعد عودتي من ألمانيا، حيث أجريت عملية الانزلاق الغضروفي بنجاح والحمد لله، ومررت مع الأولاد بمدينة لوجانو في سويسرا: عدت إلى القاهرة، لأقضي بها بقية الصيف، قبل الرجعة إلى قطر في بداية العام الدراسي.

وكان الجو في القاهرة متوترًا بين الإسلاميين والعلمانيين، ولا سيما بعد المقالات التي كتبها د. فؤاد زكريا أستاذ الفلسفة في جامعة القاهرة في صحيفة الأهرام، يهاجم فيها الصحوة الإسلامية ودعاتها ومؤيديها.

وقد تنادى الفريقان: الإسلامي والعلماني، إلى مناظرة* تعقد بين الفريقين في إحدى القاعات الكبيرة، يعرض كلٌّ منهما ما عنده، ويردّ عليه الآخر، ويحتكم الجميع إلى جمهور الحضور.

وقد عرضت نقابة الأطباء أن تستضيف الفريقين في قاعتها الشهيرة «دار الحكمة» ودعت عددًا من دعاة الإسلام ومن دعاة العلمانية... كان أبرز الإسلاميين هو الداعية الكبير شيخنا الشيخ محمد الغزالي، وأبرز العلمانيين هو الدكتور فؤاد زكريا، الذي لم يحضر في النهاية من العلمانيين غيره.

وقد وُجِّهت الدعوة إليّ، وقد حضرت للتو من أوربا، وقال لي الإخوة في نقابة الأطباء: إن حضورك ضروري، لنشدَّ عضد الشيخ الغزالي، كما قال تعالى: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} [القصص: 35] ... واستجبت للدعوة، مستعينًا بالله، سائلًا أن يمدني بروح من لدنه، وأن يُسدِّد لساني، ويقوِّي حُجتي، وتوجَّهت إلى الله تعالى بدعاء موسى حين أمره ربه أن يذهب إلى فرعون: {قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي 25 وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي 26 وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةٗ مِّن لِّسَانِي 27 يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي} [قطه: 25 - 28].

وفي الموعد المقرر وصلت إلى قاعة دار الحكمة، فوجدتها مزدحمة بالجماهير الغفيرة من كل حدب وصوب، ومن كل اتجاه ولون، ووجدت عددًا من قادة الرأي والفكر، مثل: المستشار طارق البشري، والأستاذ فهمي هويدي، والأستاذ عادل حسين، ود. أحمد العسال، فضلًا عن المناظرين الأساسيين الثلاثة: الغزالي والقرضاوي وزكريا.

الدعوة إلى تحديد المفاهيم والمعايير والمواقف:

وقد افتتح المناظرة الدكتور زكريا، وثنّى الشيخ الغزالي، وثلّثت بعده. وقد بدأت أناقش ما طرحه د. زكريا بالمنطق والحجة، وقلّ أن أناقشه بنصوص الشرع. ودعوت قبل المناظرة إلى تحديد المفاهيم، ثم إلى تحديد المعايير التي يحتكم الفريقان إليها. ثم تحديد المواقف.

وكانت الجماهير متجاوبة معي كل التجاوب، لسلامة منطقي، وقوة حجَّتي، ووضوح عبارتي، لا لأيِّ اعتبار آخر. وهو ما جعل د. زكريا يقول بعد ذلك: إني خاطبت مشاعر الجمهور العاطفي، ووالله ما خاطبت إلا العقول، وما استخدمت غير الحجَّة والبرهان. وقد شهد أهل الرأي والفكر الحاضرون بذلك.

كتابي «الإسلام والعلمانية وجها لوجه»:

وقد سجلت هذه الندوة في أشرطة فيديو وكاسيت، وأذيعت على نطاق واسع. ثم رأيت أن الكتابة في هذا الموضوع أصبح فريضة عليّ، فكتبت في ذلك: كتابي «الإسلام والعلمانية وجهًا لوجه». ناقشت فيه القضية من جذورها، وكان هذا الكتاب سلاحًا في المعركة المحتدمة من قديم وإلى اليوم بين الإسلاميين الذين يريدون الإبقاء على هُوية الأمة وذاتيتها، وبين الذين يريدون أن يذوّبوها في غيرها.

د. علي القرداغي في قطر

في السنة الدراسية 1985، 1986م انضمَّ أخونا د. علي محيي الدين القرداغي إلى أسرة كلية الشريعة في جامعة قطر.

وكنت قد تعرفت عليه في القاهرة في إحدى إجازاتي الصيفية، حين كان يحضر أطروحته للدكتوراه في كلية الشريعة بجامعة الأزهر في الفقه المقارن. وكان يقيم هو وأسرته في مدينة نصر، حيث أسكن أنا وأسرتي.

وقد سُررت بمعرفته، حين وجدته حافظًا للقرآن الكريم، كما وجدته على صلة جيدة بتراثنا الفقهي، ولا سيما فقه الشافعية. ومن المعروف أن إخواننا الأكراد في كل مكان لا يدينون إلا بمذهب الشافعي رضي الله عنه. ولهم في الأزهر رواق معروف باسمهم.

وقد درس العلوم الشرعية على أهلها من علماء الأكراد منذ نعومة أظفاره في منطقته كردستان في العراق، وأكمل الدراسة في بغداد. ثم أراد أن يتمِّم مشواره بالحصول على الدكتوراه من الأزهر، الذي ينتمي إليه أبناء العرب والمسلمين في المشارق والمغارب، وخصوصًا عرب المشرق.


د. علي محيي الدين القرداغي

فقه المعاملات المعاصرة:

وقد لحظت حين لقيته وتحدثت معه، اهتمامه بفقه المعاملات المعاصرة، ولا سيما فقه الشركات الذي كان يعدّ فيه رسالته، فقلت في نفسي: هذا مطلوب لكلية الشريعة في قطر، حيث نحتاج إلى التركيز على هذا الجانب من فقهنا الإسلامي، الذي لا يأخذ حقّه في كثير من جامعاتنا الدينية، مثل الأزهر، فقد كنا ندرس كتب الفقه القديمة كما ألفت في عصورها. ندرس فقه شركة العنان، وشركة المعاوضة، وشركة الوجوه، وغيرها من الشركات، ولا نعرف شيئًا عن الشركات المساهمة والتوصية، وشركات التأمين، وشركات المقاولات، وغيرها من أنواع الشركات الحديثة التي يتعامل معها الناس كل يوم.

وندرس كتاب «البيوع» وكتاب «الإجارة» وكتاب «الحوالة» وكل ما يتعلق بالمعاملات، في كل مذهب من كتبه المعتمدة للدراسة، وهي معزولة عن الحياة عزلًا تامًا، تشرح لنا الألفاظ، وتفهم المصطلحات، وتناقش التعريفات، وتحفظ الأحكام كما وردت. أما صلتها بالواقع فهي مبتوتة تمامًا. هكذا درست في الفقه الحنفي في المرحلة الابتدائية: «اللباب على الكتاب» أو «شرح الميداني على القدوري». وفي المرحلة الثانوية، درست: «الاختيار شرح المختار» لابن مودود الموصلي، وكنت أحصل على أعلى الدرجات، 40 من 40؛ ولكن لم أكن وقتها أفقه في المعاملات المعاصرة شيئًا، كما لا يفهم شيوخي الذين درَّسوا لي.

ولهذا يكون المدرس الذي فقه الكتب واتصل بواقع الحياة: مكسبًا كبيرًا، يجب أن نعض عليه بالنواجذ. وهو ما اقتنعت به حين تعرفت على القرداغي ظظظ.

السالوس والقرداغي والتوازن المنشود:

وقد سبق أن التحق بالكلية د. علي السالوس، وله عناية أيضًا بهذا الفقه. وبهذا يكون القرداغي إضافة إلى هذا المجال المهم، {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} [القصص: 35]، ولا سيما أن السالوس أميل إلى التشديد، والقرداغي أميل إلى التسهيل، فيتخفف حر ذاك ببرد هذا، وبذلك يتحقق التوازن المنشود.

زيارة سريلانكا والجامعة النظيمية

حيَّ شيخنا الندوي على زيارة الجامعة النظيمية:

وفي شتاء سنة 1986م زرت جمهورية سريلانكا، نزلت في العاصمة «كولومبو» ومنها اتجهت إلى زيارة الجامعة النظيمية، وهي جامعة إسلامية أنشأها التاجر المسلم المعروف، الحاج نظيم في إحدى نواحي سريلانكا.

وكان الذي حثَّني على زيارة هذه الجامعة وكرَّر حثَّه لي هو شيخنا العلامة «أبو الحسن الندوي» رحمه الله. فقد زارها من قبل وسُرَّ بها وبما تقدِّمه لأبنائها وبناتها، ورأى أن زيارة كبار علماء المسلمين ودعاتهم لها، تشدُّ أزرها، وتسند ظهرها، وتقوِّي أمرها. فلهذا أصرَّ عليّ أن أضع ذلك في برنامجي.

أبو الحسن الندوي بقية السلف الصالح:

والحقيقة أنني لا أستطيع أن أتأخر عن شيء يطلبه مني الشيخ الندوي، لأني أعتقد أنه رجل مبارك، وأنه ليس من أهل عصرنا المشغولين بالدنيا وزخرفها، بل هو من بقية السلف الصالح رضي الله عنهت، كأنما هو رجل جاء من القرون الإسلامية الأولى التي هي خير القرون، ليعيش في عصرنا هذا، عصر المادة والمنفعة. وأنا أتقرَّب إلى الله تعالى بحبه، كما قال القائل:

أحبُّ الصالحين ولستُ منهم    لعليّ أن أنال شفاعة!


العلامة الشيخ أبو الحسن الندوي

زيارة الجامعة النظيمية:

ولهذا لم أتردد في الإسراع بزيارة الجامعة النظيمية، وقد ظللت في رحابها نحو أسبوع نائمًا في إحدى حجرها، فلم يكن هناك فندق قريب منها، وهي في قرية من القرى. وأنا بحمد الله لست من المترفين الذي نُشِّئوا في الحلية، أو ولدوا وفي فمهم ملعقة من ذهب كما يقال، بل أنا ابن القرية والكتاب. كم نمت على المصطبة والحصير، لا على الديباج والحرير!

لذا لم أشعر بمعاناة، ولم أشْكُ من تعب بسكناي داخل الجامعة، أو قريبًا منها. بل كانت المنطقة منطقة ريفية رائعة الجمال، مكسوة بالخضرة والنّضرة، حافلة بأشجار جوز الهند «النرجيلة» والباباي، وغيرها من فواكه تلك البلاد اللذيذة والطيبة. وهي أشبه ما تكون بمنطقة «كيرالا» في الهند، أو «بنجلاديش».

لقاءاتي وزياراتي في نواحي سريلانكا:

وقد التقيت أساتذة الجامعة، لقاءات خاصة، سألوني فيها جملة أسئلة تتعلق بالمناهج والكتب والتدريس، وأجبتهم بما تعلمته وما فتح الله علي به.

والتقيت الطلاب في محاضرات خاصّة ببعضهم، في العلوم الشرعية المعروفة: الفقه والأصول والتفسير والحديث والعقيدة والدعوة. كما ألقيت عليهم عددًا من المحاضرات العامة، حضرها كل مّنْ في الجامعة، من أساتذة وطلاب وطالبات، وكنت ألمح في وجوههم مدى تأثرهم بما يلقى عليهم، فهم يتلقونه بعقولهم وقلوبهم.

وبعد ما يقرب من أسبوع، ودعت الأساتذة والطلاب، وقد أنسوا بي وأنست بهم، واستراحوا إليّ، واسترحت إليهم، وكم تمنَّوا - كما كنت أتمنى - أن تطول المدة أكثر، ولكني لست ملك نفسي. فودعتهم وفي عيني عبرة، وفي أعينهم عبرات، واعدًا إياهم، أن أجتهم في زيارتهم مرة أخرى، ولم يقدر لي ذلك إلى اليوم كان الله لهم.

وقد زرتُ العاصمة «كولومبو» وبعض المدارس الإسلامية التي وجدت فيها بعض مدرسين بعثهم الأزهر إليها.

وزرت بعض كبار الشخصيات الإسلامية التي نسيت أسماءهم جميعًا، ولكن كان فيهم وزير في الحكومة يمثل الأقلية الإسلامية.

فهناك أقلية إسلامية موجودة من قديم، حيث تعتبر هذه البلاد امتدادًا للهند، وإن كانت الديانة السائدة فيها هي البوذية، السائدة في الصين، وليست الهندوسية السائدة في الهند.

وقد كنت أجد تماثيل «بوذا» في الميادين المختلفة، ومنها: تمثال ضخم كان في طريقنا إلى القرية التي فيها الجامعة. وكلها مقدَّسة عندهم.

زيارة مؤسس الجامعة الحاج نظيم:

كما زرت رجل البر والخير، الذي أسّس هذه الجامعة، الحاج نظيم في العاصمة، وهو تاجر جواهر مشهور، وأذكر أنه دعاني إلى بيته على غذاء، ودعا بعض المسلمين المعروفين، ليسلّموا عليّ وأسلِّم عليهم. وقد شكرني على الزيارة، وطلب مني أن أكررها، فهم معزولون عن العالم الإسلامي، وقد لمس أثر هذه الزيارة في الأساتذة والطلاب جميعًا، ووعدتهم أن أزورهم إذا يسَّر الله ذلك، ولم ييسر الله ذلك إلى اليوم، وإن كانوا في الواقع يستحقون الزيارة والتشجيع.

دعوة لزيارة الجامعة ومسلمي سريلانكا:

وأوصي إخواني من العلماء والدعاة - كما أوصاني الشيخ الندوي - أن يزوروا هذه الجامعة التي أرجو من ورائها الخير لمسلمي سريلانكا. سدّد الله خطاهم، وثبَّت على الحق أقدامهم.

وأذكر أنَّ الإخوة هناك عرضوا عليّ أن أزور البلدة التي كان قد نُفي فيها البطل المصري أحمد عرابي قائد الثورة الوطنية الشهيرة، التي انتهت بهزيمته، ونفاه الإنجليز إلى تلك البلد «سرانديب». ولكني اعتذرت لهم، إذ لم يكن عندي الوقت الكافي لذلك، فالوجبات عندي دائمًا أكثر من الأوقات، والمعين هو الله.

...........................

* فيديو المناظرة كاملة