النشاط التنصيري في العالم الإسلامي:

كان النشاط التنصيري في أوج قوته في السبعينيات من القرن العشرين، وقد عقد دعاة التنصير مؤتمرًا عالميًّا لهم في «لوزان» بسويسرا سنة 1974م بهدف تنصير العالم!

وفي سنة 1978م عقدوا مؤتمرًا في ولاية كلورادو في الولايات المتحدة بهدف أعلنوا عنه، وهو: تنصير المسلمين في العالم!! وكان هؤلاء المنصّرون من البروتستانت الأمريكيين.

وكأنَّ المسملين هم أول من يحتاج إلى الهداية التي يملكونها!! كنا نظن أنهم يتوجهون - أول ما يتوجهون - بجهود تنصيرهم إلى البلاد التي تعلن الإلحاد صراحة، ويقولون بصراحة وجلاء: إلا إله، والحياة مادة فحسب! ولا نؤمن بالله، ولا برسالات السماء، ولا بالآخرة، فهم أول من يحتاج إلى أن يوصلوا بالسماء، ويذكّروا بالله وبالحياة الباقية الأخرى ... فإن وقفت في طريقهم العقبات: اتجهوا إلى البلدان التي لم تصل إليها النبوات، وما تزال تعيش تحت سلطان الديانات البدائية، والوثنيات الهمجية.

فهؤلاء وأولئك كانوا أولى بالتبشير والتنصير من المسلمين: أتباعة ملة إبراهيم، وأصحاب الديانة التوحيدية، التي تميّز توحيدها بالخلوص والصفاء، فليس فيه تشبيه اليهود، ولا تثليث النصارى، فاليهود يشبِّهون الخالق بالمخلوق، والنصارى يشبِّهون المخلوق بالخالق. بل كان عليهم أن يبدءوا بإعادة النصارى في الغرب إلى المسيحية، ولا سيما في أروبا التي لم يعد يذهب إلى الكنيسة منهم في يوم الأحد إلا خمسة في المائة (5%)!

المنصرون الأمريكان:

ولكننا فوجئنا بهذا التوجُّه الغربي من المبشِّرين الأمريكان خاصة لتنصير المسلمين في العالم.

والأمريكان مولعون بأن يكونوا هم «الأعلين» في العالم في كل شيء، بحيث تكون مأكولاتهم تغزوا العالم كله «بيتزا وماكدونالد وكنتاكي وغيرها»، وأن تكون مشروبتهم تغزوا العالم كله «كوكاكولا وبيبسي كولا وغيرهما»، وأن تكون أفلامهم تغزوا العالم، فلماذا لا يغزون بدينهم العالم كله أيضًا؟! مع أن دينهم في الحقيقة إنما جاءهم من أرضنا!

اجتمع مائة وخمسون من عُتاة المنصّرين البروتستانت من الأمريكان ومن يدور في فلكهم في كلورادو لتنصير المسلمين في العالم، وقدموا أربعين بحثًا أو دراسة عن الإسلام وأمته وكتابه ونبيه وتاريخه وحاضره ومستقبله، برؤية مسيحية تنصيرية ... وكيف يمكن التأثير في المسلمين؟ واقتلاعهم من دينهم؟ وإقناعهم بالنصرانية، وأنّ المسيح هو ابن الله المخلص للبشر من الذنب الذي ورثوه عن أبيهم آدم، أو هو «أقنوم» من الأقانيم الثلاثة التي تتكون منها الألوهية عند النصارى: «الإله الأب، والإله الابن، والروح القدس».

تجارب المنصّرين الفاشلة:

والمشكل هنا: أن المسلمين يؤمنون كل الإيمان بأن دينهم هو الدين الخاتم، الذي ختم الله به النبوات، وأنّ كتابهم هو المهيمن على الكتب كلها، وأنه الكتاب المعجز، والكتاب المحفوظ، الذي لا يعتريه تحريف ولا تبديل. وأن دينهم جاء متممًا لما جاءت به الرسالات السابقة، ومصحِّحًا لما وقع فيها من أوهام وأخطاء وتحريفات على مر الزمان.

ومن الصعب إخراج المسلم من دينه ليعتنق دينًا آخر، ويتحوَّل محمد وأحمد وعلي وحسن وحسين إلى جورج وحنَّا وبطرس، هذا أمر يكاد يكون مستحيلًا في العادة.

الحملة التنصيرية على مصر:

ولقد جرَّب المنصرون ذلك في أول القرن العشرين في عدد من الأقطار، ومنها مصر، بلد الأزهر، وبلد القرآن والعلم الديني.

وكانوا يبعثون الحملات إلى القرى، ممن جهّزوهم بمعرفة العربية، وحفظ القصص عن المسيح والعذراء، إلى غير ذلك. ويظل المنصر يحكي للناس هذه القصص والناس سكوت، فيحسب المنصر أنهم قد قبلوا كلامه، أو فتحوا له قلوبهم، فلا يلبث أن يسمع أحد الحاضرين يقول: وحدوه! فيرد الجميع بصوت جهير: لا إله إلا الله! فيقول: كمان صلوا على النبي، فيقولون: عليه الصلاة والسلام! وهنا يشعر المنصّر أنه لم يصنع شيئًا!

وانتهت هذه الحملة التبشيرية أو التنصيرية على مصر، بتقرير كتبه رئيس الحملة قال في نهايته: سيظل الإسلام صخرة عاتية، تتحطم عليها محاولات التبشير المسيحي، ما دام للإسلام في مصر هذه الدعائم الأربع: القرآن، والأزهر، واجتماع الجمعة الأسبوعي، ومؤتمر الحج السنوي!

مخططات جديدة:

والآن قد غيّر القوم خططهم وأساليبهم وجاءوا - فيما زعموا - بمخططات جديدة، وأساليب جديدة، منها طباعة الإنجيل على طريقة القرآن، وعلى شكل القرآن، وتسمية الإصحاحات في الإنجيل «سورًا» وتسمية الفقرات آيات، والفصل بين كل إصحاح وآخر، بما يفصل به بين سور القرآن بعضها وبعض، وأهم من ذلك: قبول بعض المسلمين المتمسكين ببعض تعاليم دينهم، وتسميتهم: العيسويين، بوصف ذلك مرحلة في التحول الكامل إلى النصرانية.

ودراسات شتّى تضمَّنها هذا الكتاب الذي ترجم إلى العربية تحت عنوان «التنصير»: خطة لغزو العالم الإسلامي.

وهو ما دفع شيخنا الشيخ الغزالي بعد ذلك إلى أن يكتب كتابه «صيحة تحذير من دعاة التنصير»، وأن يحذر منه كذلك أخونا المفكر المسلم الكبير، محمد عمارة.

وقابل العلماء والدعاة والمهتمون في العالم الإسلامي، هذه الحملة، بالتوجُّس، أو الصراخ، والتحذير للأمة مما يحاك لها.

وقد عرفنا: أن التنصير قد بدأ بغزو البلاد الإسلامية بالفعل، وبخاصة البلاد الكبرى، مثل: نيجيريا أكبر بلد إسلامي في إفريقيا، ومثل إندونيسيا أكبر بلد إسلامي في آسيا، بل في العالم الإسلامي كله.

ورأينا التنصير يغيِّر هدفه وفق المكان والزمان والحال، فهو في المنطقة العربية لا يطمع في تحويل المسلم إلى نصراني بصراحة، ويكتفي بتشكيكه في الإسلام شريعة ونظامًا، إن لم يتمكن من تشكيكه فيه عقيدة وتوحيدًا، ولهذا يعمل على نشر الفكر العلماني الذي يتفق مع اللاهوت المسيحي في الجملة، في ترك ما لقيصر لقيصر، وما لله لله!

أما في غير المنطقة العربية، فهو يعمل على تحويله إلى مسيحي بالفعل، ولا سيما عن طريق المدارس التي تلتقط الطفل في صغره، وتأخذه خامة بيضاء، فتغرس فيه ما تشاء من عقائد ومفاهيم وقيم، وتنقله من دين إلى دين، وأهله وذووه لا يشعرون!

دعوى عدم نجاح المنصّرين في المنطقة العربية والإسلامية:

ولقد نجح التنصير إلى حد كبير في هدفه في المنطقة العربية، والمنطقة الإسلامية غير العربية. ومع هذا يشيع دعاة التنصير الغربيون دائمًا ويكررون: أنهم لم ينجحوا في البلاد الإسلامية، وأن جهودهم لم تحقق أهدافها. وأعتقد أنهم في ذلك كاذبون ومضلِّلون.

فقد رعوا الفكر العلماني ونشروه في ديار الإسلام وروَّجوه بضاعة بين المسلمين.

ورعوا كل كاتب من أبناء المسلمين يتمرَّد على الإسلام، ويطعن في شريعته أو ثقافته أو قرآنه وسنته، وإن كان هؤلاء قلة، ولكنهم ينفخون فيهم، ويجعلون من كل حبة قبة، ومن كل قط جملًا.

ووقفوا - من وراء ستار - وراء كل حاكم يتنكّر لشريعة الإسلام، أو لدعوة الإسلام، يشدّون أزره، ويحمون ظهره، ويوصون «الكبار» به خيرًا.

ونجحوا بالفعل في تحويل بعض المسلمين - في غير المنطقة العربية - إلى المسيحية، فلا غرو أن تجد اسم الشخص مسيحيًا، واسم أبيه أو جده مسلمًا، أو تجده من قبيلة إسلامية خالصة، معناه أنهم حولوه منذ صباه إلى المسيحية. حيث أدخلوه مدارسهم وصنعوه كما يريدون.

المكاسب التي يحققونها بدعوى إخفاقهم مع المسلمين:

أعتقد أن هذا الإعلان بأنهم أخفقوا مع المسلمين: أمر مقصود لهم، يحقق لهم مكاسب يرجونها:

أولها: أن تتدفق عليهم الأموال والتبرعات التي تبلغ المليارات، لتمكّنهم من التغلب على صلابة المسلمين «الناشزين» والتأثير فيهم.

وثانيها: أن يخدّروا «الفريسة» التي يريدون اصطيادها، وهي: المسلمون، حيث يقولون: الإسلام بخير، والأمة بخير، والمنصرون قد فشلوا في مهمتهم معهم، فلا يجتهدون في المقاومة، ولا يفكرون في عمل إيجابي مضاد.

وثالثها: أن يظل القوم يشعرون بأنهم مقصِّرون في أداء واجبهم في غزو المسلمين، وأنّ عليهم أن يتداركوا ذلك بالمزيد من بذل الجهد والتخطيط والتنسيق والعمل الدءوب، ومن سار على الدرب وصل.

وربما كان سبب إعلان فشلهم: أنهم لم يحقِّقوا كل ما كانوا يطمحون إليه من أهداف في تنصير المسلمين الذين استعصوا بعقيدتهم عليهم وخيبوا فألهم، فاعتبروا أنفسهم قد فشلوا!

غارة جديدة على العالم الإسلامي:

على كل حال قد ابتدأ التنصير غارة جديدة على العالم الإسلامي، باجتماع كلورادو، الذي صمَّم على تنصير المسلمين في أنحاء العالم، ورصد لذلك «ألف مليون» دولار، وأنشأ لذلك معهدًا لتخريج منصّرين مسلمين، سموه «معهد زويمر» إحياء لذكرى ذلك المنصر العتيد الذي رأس المؤتمر التبشيري الكبير في القاهرة سنة 1906م.

القوم إذن جادُّون في مهمتهم، مصرون على غايتهم، ووراءهم إمكانات مالية هائلة، ودول تؤيدهم بسلطانها وقوتها، وجيوش من المبشرين والمبشرات.

بلغت منذ عدّة سنين 4.750000 أربعة ملايين وسبعمائة وخمسين ألف مبشر ومبشرة في أنحاء العالم.

وقد كنت أحسب أن «المليار دولار»، الذي رصدوه لتنصير المسلمين: مبلغ كبير، حتى عرفت بعد ذلك أنهم يجمعون في بعض الأحيان مليارات لا مليارًا واحدًا، وأن المال ليس مشكلة لديهم على الإطلاق.

ومن المعلوم: أن الفاتيكان كان يعتبر - من ناحية الغنى - الدولة الثالثة في العالم بعد أمريكا والاتحاد السوفيتي.

التنصير غزو غربي للشرق الإسلامي:

إن المسلمين ينظرون إلى التنصير على أنه ليس مجرد عمل ديني، أو دعوة دينية خالصة، بل يرونه نوعًا من الغزو الغربي للشرق الإسلامي، فقد غزانا الغرب عسكريًا، وغزانا سياسيًا، وغزانا ثقافيًا، وغزانا كذلك دينيًا.

وكانت أداته الأولى في غزونا دينيًا هو هذا الذي سموه «التبشير» وسميناه «التنصير» والذي كان دائمًا خادمًا للاستعمار وممهدًا له، ومساعدًا له على استذلال الشعوب، وامتصاص خيراتها، ونهب ثرواتها، وإبقافها في حضيض الفقر والتخلّف، كما بين ذلك الذين أرّخوا لهذا التبشير وعمله في بلادنا، مثل الدكتور عمر فروخ، والأستاذ مصطفى الخالدي في كتابهما «التبشير والاستعمار»، ومثل كتاب «الغارة على العالم الإسلامي» الذي ترجمه السيد محب الدين الخطيب إلى العربية من قديم.

كن ممن قرأ ما صنعه المنصِّرون في «كلورادو» وما قرّروه من أمر خطير، فأخذت على عاتقي أن أنبه المسلمين على هذا المكر الكُبّار، وأدق ناقوس الخطر، لتنبيه الأمة على ما يحاك لها، وهي في غفلة عن هذا. وليس لها قيادة توقظها وتحركها، لا سياسية ولا دينية.

دعوتي لإنشاء صندوق إسلامي:

وفي محاضرة لي في مدينة «جدة» بدعوة من مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي التابع لجامعة الملك عبد العزيز، تكلمت عن هذا الموضوع بإفاضة، وقلت: لو كان الأمر بيدي لدعوت في الحال لإنشاء صندوق إسلامي نجمع فيه ألف مليون دولار، لا لأسلمة العالم، وهذا من حقنا، ولكن لحماية الوجود الإسلامي من هذا الغزو المخطط الحاقد الماكر.

وبعد المحاضرة اجتمع عدد من الإخوة الدعاة، منهم الشيخ الزنداني، ود. محمد عمر زبير، ود. أنس الزرقا، وعدد من الشيوخ والأساتذة الفضلاء، وقالوا: لماذا لا تنادي أنت بإنشاء هذا الصندوق، ولماذا تنتظر غيرك أن يقوم بهذه المهمة؟

قلت: بأي صفة أقوم بذلك؟

قالوا: بصفتك أحد علماء المسلمين، الذين تثق بهم الأمة، وتستمع إليهم، وتقرأ لهم، وتحملك المسئولية عنهم. وأعتقد أن ثقة الأمة بك تجعل من فرض العين عليك أن تقوم بهذا الأمر، وتتبنَّاه، ونحن أول المؤيدين لك، والسائرين وراءك، فعاهدنا على ذلك ...

ولم يدعوني حتى عاهدتهم على أن أتبنّى مواجهة هذا الغزو.

وأصبحت حين أحاضر في أيِّ بلد أدعو لإنشاء هذا الصندوق الإسلامي العالمي، أو المؤسسة العالمية ذكرت ذلك في قطر، وفي الإمارات، وفي الأردن، وفي كل بلد دعيت إليه.

كلمتي في مؤتمر المصارف الإسلامية بالكويت:

ثم هيأ الله لي فرصة في الكويت في اجتماع مؤتمر المصارف الإسلامية، وكان هو المؤتمر الثاني للمصارف، بعد مؤتمر دبي الذي عقد منذ سنوات. وفي الجلسة الختامية للمؤتمر، طلبت الكلمة، وقلت للإخوة: اسمحوا لي أن أنقلكم من جوّ المصارف والمعاملات المالية الإسلامية إلى جو آخر. هو أشد سخونة، وأعظم خطرًا، إنه يتعلق بالحفاظ على دين الأمة وعقيدتها وهويتها ... وذكرت لهم ما رصد المنصِّرون لذلك «ألف مليون دولار» لنرتد عن ديننا! وأن على الأمة أن ترصد مثلها لحماية المسلمين من خطر الغزو المرتقب. وأمتنا أكثر من ألف مليون، فلو دفع كل فرد - في المتوسط - دولارًا، لجمعنا الألف مليون بسهولة، ومن هنا نرفع شعار «ادفع دولار تنقذ مسلمًا».

مهمة المؤسسة الخيرية:

وعلينا أن ننشئ لذلك مؤسسة خيرية مهمتها: أن تجمع ألف مليون دولار من المسلمين، وأن تستثمرها في الحلال، لننفق من عوائدها، ونبقى الأصل سالمًا، وأنا أقترح الكويت مقرًا لهذه المؤسسة، كما أقترح أمينًا عامًا لهذه المؤسسة أخانا الفاضل الشيخ يوسف الحجّي، «وزير الأوقاف والشئون الإسلامية سابقًا، وأحد رجالات الكويت المحبوبين والمحترمين» ... وتجاوب الحضور معي، وأثنوا علي قولي وكان منهم أخونا الفاضل المعطاء في كل عمر خير؛ أبو بدر «عبد الله المطوع» رحمه الله  وأثابه، فجاء وهمس في أذني، وقال: لقد أصبت وأحسنت في اختيار يوسف الحجي لهذه المهمة، فهو موضوع ثقة وقبول من الجميع، وأنا أقول لك: إني متبرع لهذا المشروع بمليون دولار أضعها لحسابه من الغد. في بيت التمويل الكويتي، ولكن أرجو أن لا تذكر اسمي. وأعلنت ذلك على الحضور، فامتلأت القناعة بالتكبير، ولم أعلن عن اسمه حسب رغبته، وإن كان الأمر قد عرف بعد ذلك، وإنما لكل امرئ ما نوى.

الحث على المشروع في خطبة الجمعة بالكويت:

بعد هذا الإعلان وجدت حماسة بالغة من الناس على كل مستوياتهم، وكنا في يوم الخميس، وقد انتهى المؤتمر وسأسافر في المساء، ولكن أخانا السيد محمد ناصر الحمضان وكيل وزارة الأوقاف في حينها، قال: أقترح أن تؤجِّل سفرك، وتبقى إلى الغد، وتخطب خطبة الجمعة، وتذاع في التلفزيون والإذاعة، وتحث الناس على هذا المشروع، وبذلك يكون له أرضية قوية. وقد استجبت لهذه الدعوة، وتم الأمر على ما يرام.

ولم يكن الشيخ يوسف الحجي موجودًا حين أعلنت عن اختياره، ليكون أمين هذه المؤسسة المنشودة، فلما حضر، وأبلغ ما قلته، رحَّب بتحمُّل المسئولية، وقال: ما دعا إليه القرضاوي، فنحن له جنود.

خطبة الجمعة التالية في قطر:

وعدت إلى قطر، وخطبت الجمعة التالية في قطر، ونوَّهت بالموضوع، فلقيت من القبول والتشجيع ما شرح صدري، وكان من ذلك برقبة من الشيخ محمد بن حمد شقيق الأمير، ووزير التربية والتعليم، يثني فيها على المشروع، ويعلن وقوفه بجانبي بقوة وبكل ما يستطيع، ويدعو لي وللمشروع بالنجاح والتوفيق.

تشجيع أمير قطر الشيخ خليفة:

كما لقيت أمير دولة قطر الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني حفظه الله، وحدّثته عن فكرة المؤسسة ومقاصدها، فرحَّب بها، وشجَّعني على المضي في المشروع، وقال: ثق بأني مستعد للمساعدة في ذلك، على المستوى الشخصي، وعلى مستوى الدولة، وسُررت بذلك سُرورًا كبيرًا ... وكان مما يشجع على ذلك في تلك الأيام: ارتفاع أثمان البترول، وازدياد دخل دول الخليج، وهذا من حُسن حظ المشروع، ولله الحمد.

وضع التصوُّر العام للمشروع:

وكان عليَّ: أن أضع تصورًا عامًا للمشروع، وأهدافه ووسائله، وأن يكون في صورة مؤسسة عالمية، لها أعضاء مؤسسون من كل أنحاء العالم، يمثِّلون رجال الأمة من أهل العلم والرأي، ومن أهل المال والثروة، ومن أهل الكفاية والخبرة.

وبعثت بهذه التصوُّرات إلى الإخوة في الكويت، ليعطوا هذه التصورات إلى أحد القانونيين ليصوغها في صورة قانونية، على شكل نظام أساسي، ثم نبحث بعد ذلك كيف نستخرج القانون الذي يقرها ويعطيها الوجود القانوني.

وكنت اخترت تسميتها: «المؤسسة الخيرية الإسلامية العالمية» ولكن أخانا الكريم الأستاذ خليل حمد المدرس في قطر - وهو من الأعضاء المؤسسين - اقترح اسم «الهيئة» بدل اسم «المؤسسة» لاعتبارات تتعلق بالترجمة إلى الإنجليزية.

وبعد الصياغة القانونية المبدئية لنظام الهيئة: أرسل إلى الأعضاء الذين اختيروا من شتى البلدان ليبدوا ملاحظاتهم على مواد النظام مادة مادة، وفقرة فقرة، ويقترحوا تعديل ما يريدون تعديله، وحذف ما يرون حذفه، وإضافة ما يرون إضافته.

اختيار الأشخاص المؤسسين واللجنة التحضيرية:

نسيت أن أذكر أنا قد اجتمعنا في الكويت عدّة مرات لاختيار الأشخاص المؤسِّسين، وحرصنا كل الحرص على أن يكونوا ممثلين بقدر الإمكان للأقطار والأجناس والتيارات المختلفة.

كما اخترنا لجنة تحضيرية للنظر في كل ما يلزم للإعداد لهذه الهيئة وظهورها بالصورة الملائمة لإسلاميتها وعالميتها، وكانت اللجنة مكونة من ستة أشخاص:

1 - الشيخ يوسف حجي.

2 - الشيخ يوسف القرضاوي.

3 - الشيخ سليمان الراجحي.

4 - الشيخ عبد الله العقيل.

5 - الشيخ عبد الله المطوع.

6 - الشيخ أحمد بزيع الياسين.

كانت اللجنة تنظر في الترشيحات التي تقدَّم لها ليكونوا من المؤسسين، وتراعي موازنات مختلفة في الاختيارات، منها: تمثيل الأقطار والاتجاهات، وأهل العلم وأهل البذل، والشخصيات المقبولة في مجتمعاتها، ثم تخطر الذين وقع عليهم الاختيار وتعرض عليهم فكرة الهيئة كما تصورتها، ثم مشروع النظام الأساسي المقترح، وتطلب الرأي فيه.


الشيخ أحمد بزيع الياسين رحمه الله

تذليل العقبات لاستصدار قانون الهيئة العالمية:

كما كانت مهمة اللجنة التفاهم مع الجهات المسئولة في الكويت، لتذليل العقبات لاستصدار القانون بالهيئة المنشودة.

ولم يكن الأمر سهلًا، فالهيئة - وإن كان مقرها بالكويت - ليست هيئة كويتية محلية، بل هي هيئة عالمية بحكم تكوينها من مؤسسين يمثلون المسلمين في العالم، وبحكم أهدافها، فهي لخير المسلمين في العالم، وإمدادهم بما يحتاجون إليه ليعيشوا مسلمين ملتزمين بدينهم، غير متخلّفين عن عصرهم، وهي عالمية بحكم تمويلها، فهي تقبل التبرعات - غير المشروطة - من أيّ جهة أو فرد يساعدها في مهمتها، وهي عالمية بحكم مصارفها ومواقع نشاطها، فهي تعمل في كل مكان يوجد فيه مسلمون محتاجون، ولا سيما في إفريقيا وآسيا، حيث ينشط التنصير بين المسلمين، مستغلًا فقرهم ومرضهم وأميتهم، فيقدم المساعدات الغذائية، وينشئ المستشفيات والمستوصفات الطبية، ويؤسس المدارس التعليمية، التي قاطعها المسلمون، لصبغتها الكنسية، فمن دخلها نال الشهادة، وفقد الدين! ولهذا بقى المسلمون في معظم دول إفريقيا - جنوبي الصحراء - معزولين عن التعليم العصري، قاصرين تعليمهم على القرآن واللغة العربية وشيء من العلوم الشرعية، وبعض مبادئ الحساب، كل ذلك يعلم على الطريقة التقليدية القديمة ... فقد تطور الأزهر، وتطورت المعاهد العلمية الدينية في العالم العربي، وكثير من البلاد الإسلامية ولم يتطور التعليم عند هؤلاء.

المهم أن الهيئة المنشودة هيئة عالمية بلا نزاع، ونريد من القانون الذي يصدر بإنشائها في الكويت أن يحافظ على عالميتها واستقلالها.

كان هذا العمل يقوم به إخواننا الكويتيون من الأعضاء المؤسسين في الهيئة، وكان هناك عمل آخر تقوم به اللجنة التحضيرية مع المؤسسين لإنضاج النظام الأساسي، والاتفاق المبدئي على صيغته النهائية بعد التعديلات المقترحة.

وقد صدر قانون الهيئة (قانون رقم 64 لسنة 1986م) بأمر أميري من الشيخ جابر الصباح أمير دولة الكويت رحمه الله ، وأحيل إلى مجلس الأمة، لمناقشته وإقراره أو تعديله، وبعد أخذ ورد، وافق مجلس الأمة على القانون.

الاجتماع التأسيسي لإقرار النظام:

وكان المؤسِّسون دعوا للاجتماع في الكويت عام 1986م لمناقشة النظام الأساسي ثم إقراره بعد تعديل ما يتطلب التعديل، وكان الحضور مكثّفًا، لم يكد يعتذر إلا من قهرته الظروف أو أقعده المرض، وكانوا صفوة من رجالات الأمة المعنيين بأمرها، المشغولين بهمومها، حتى قال لي شيخنا الغزالي وعينه تذرف الدموع: جزاك الله خيرًا، لقد جمعت حكماء الأمة في هذا المكان، وقلما يجتمعون، وحمَّلتهم الآن المسئولية الدينية والتاريخية، لينهضوا بواجبهم، ويقوموا بدورهم.

وكذلك قال شيخنا الشيخ عبد المعز عبد الستار: كنا نسمع عن حكماء صهيون، أو مشيخة بني إسرائيل، الذين اجتمعوا يومًا لينظروا في مصير قومهم، ويقرروا ما يجب عليهم لمستقبلهم، ويحدِّدوا علاقتهم بغيرهم. وها نحن أولاء اليوم نرى مشيخة المسلمين أو صفوتهم يجتمعون، لينظروا في مصير أمتهم.

قلت للشيخين: لا داعي لأن نُسرف في التفاؤل، وعلى كل حال، فإن لقاء المؤمنين لا يثمر إلا خيرًا، وخصوصًا إذا اجتمعوا لهدف واضح، ومنهج بيِّن، ولم تكن لهم أغراض دنيوية، أو مصالح شخصية، إنما جمعهم حب الله ورسوله، والانتصار لهذا الدين الذي يشكوا إلى الله أبناء عقوه، وأنصارًا خذلوه.

محاولة تأجيل الاجتماع التأسيسي:

وكان بعض الإخوة الحضور - لأغراض خاصة - يريدون تأجيل هذا الاجتماع الحاسم، وقال لي أحدهم: ما وجه الاستعجال - يا شيخ يوسف - في أمر خطير كهذا؟ وما الضرر لو أخَّرنا بضعة أشهر حتى يزداد نضجًا؟

وكنت رئيس الجلسة، فرفضت الاقتراح بحزم وحسم، وقلت: لقد مضت عدَّة سنوات منذ اقترحت إنشاء هذه الهيئة في الكويت، حتى تغيرت الأحوال عما كانت، وانخفض سعر البترول بعد ما كان مرتفعًا، وهذا ليس في صالحنا، ولقد ناقشنا النظام الأساسي حتى مللنا، ولا بد لنا من أن نحسم أمرنا، وقد قال تعالى: {وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]، وقد عزمنا وتوكلنا على الله، {وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُ} [الطلاق: 3].

إقرار النظام الأساسي:

وانتهى الاجتماع بإقرار النظام الأساسي، بعد تعديلات طفيفة عليه.

وقد حرصنا في نظامنا الأساسي على: أن تكون هيئتنا هيئة خيرية محضة، كل همّها عمل الخير، وليست هيئة تبشيرية أو دعوية في أساسها، وإن كان الدافع الأول من إنشائها هو الحملة التنصيرية الكبرى على المسلمين.

كما حرصنا على أن نُبعد الصبغة السياسية والجهادية عن الهيئة، ضمانًا لحُسْن أدائها لعملها بعيدًا عن المؤثرات السياسية وتياراتها المتناقضة. وهو ما يعرضها لخصومات وصراعات تضرها ولا تنفعها.

اعتراض الدكتور أحمد الملط:

وأذكر أن بعض الإخوة، ومنهم الأخ الكبير الدكتور أحمد الملط نائب المرشد العام للإخوان في مصر رحمه الله ، وقف يعترض بشدّة، ويقول لي بوصفي رئيس الجلسة، وصاحب الفكرة: كيف تحذف السياسة من الإسلام يا شيخ يوسف؟ أتريدون إسلام الأضرحة والموالد، الذي يبارك الأنظمة الفاجرة، ويسير في ركاب الطغاة من الحكام؟ ألست أنت الذي كنت تعلّمنا: أن الإسلام عقيدة وشريعة، وعبادة ومعاملة، ودين وسياسة، وصلاة وجهاد؟

قلت: يا دكتور أحمد، نحن لا نؤمن بتجزئة الإسلام، ولا بحذف السياسة أو الاقتصاد أو الجهاد منه، ولكنا نؤمن بالتخصص، ونحن متخصصون في عمل الخير على كل المستويات، وعن طريق هذا الخير نرقى بالناس، حتى نمكنهم من العمل في السياسة والاقتصاد والدعوة والجهاد، بعد أن نهيئ الخبز للجائع، والكساد للعريان، والدواء للمريض، والكفالة لليتيم، والمسكن للمشرد، والعمل للعاطل، والتدريب للعامل، والمدرسة للأمي، والكفاية للأسرة ... وهذه أمور تحتاج منا إلى جهود وأوقات وأموال وعقول، وطاقات بشرية مدربة، وكل هذه لا نملك منها إلا القليل، أو الأقل من القليل.

هذا هو عمل الهيئة الذي ينبغي أن نتفرغ له ... أما السياسة والجهاد وغيرها، فلها رجالها، ولها مجالاها، وقد حضّنا القرآن على رعاية التخصُّصات، وسدّ الثغرات المختلفة، وعدم توجيه الطاقات كلها في اتجاه واحد وإغفال ما عداه، وفي ذلك جاء قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ} [التوبة: 122].

اختيار رئيس الهيئة ونائبه والأمين العام:

وكان على المجتمعين أن ينتخبوا بالاقتراع الحر: مجلسًا للإدارة من (21) شخصًا، وقد اجتمع المجلس عقب اختياره في جلسة إدارية، ليختاروا الرئيس ونائبه وأمينًا عامًا وأمين الصندوق، وقد اختار المجلس بالإجماع الشيخ يوسف الحجي رئيسًا عامًا للهيئة، واختار نائبًا له: أخانا الفاضل الشيخ صالح الحصين، وهو شخصية سعودية معروفة، واختار أمينًا عامًا: الشيخ عيسى بن محمد آل خليفة، واختار أمينًا للمال: الشيخ أحمد البزيع ياسين من الكويت.

اللجنة التنفيذية:

كلما اختار لجنة تنفيذية من الأعضاء تكون أقدر على الاجتماع في مدة أقرب من مدة المجلس. وكنت ممن اختيروا لمجلس الإدارة، وللجنة التنفيذية. كما اختير للمجلس من قطر: فضيلة الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري رحمه الله .

وانصرف المجتمعون، وهم يحمدون الله على أن يسَّر أمرهم، كما يدعونه عز وجل أن يعينهم على العمل لتحقيق أهداف الهيئة كل في بلده.

وفد الهيئة إلى أمراء دول الخليج:

وقد اتفقنا على أن يمر وفد يمثل الهيئة بأمراء دول الخليج وملوكها، ويشرح لهم أهدافها وفكرتها، ويطلب منهم المعونة والتأييد المادي والمعنوي لها.

وكان الوفد يتكوَّن من رئيس الهيئة الشيخ يوسف الحجي، ومن الشيخ عبد الله الأنصاري رحمه الله ، ومن الشيخ عبد الله المطوع «أبي بدر» رحمه الله ، ومن الفقير إلى الله تعالى.

وقد مررنا بأمير قطر الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، «وقد كنت قد حدَّثته من قبل عن الهيئة، كما ذكرت من قبل»، فأحسن استقبالنا، وتجاوب معنا، وأمر بفتح حساب في مصرف قطر الإسلامي للهيئة.

كما مرَّ الوفد بدولة البحرين، ولقى أميرها الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، الذي رحب بنا كل الترحيب، وقال: البلد بلدكم، ونحن معكم.

وقدم الوفد طلبًا لزيارة دولة الإمارات العربية المتحدة، ففوجئنا باعتذارهم عن عدم استقبالنا في الظروف الراهنة.

أما عُمان، فلم ترد علينا، لا بالإيجاب، ولا بالسلب.

وكذلك المملكة العربية السعودية لم تردّ علينا.

تشويه صورة الهيئة عند المسئولين:

وكان بعضهم قد شوَّه في تقريره صورة الهيئة عند المسئولين وقال لهم: إذا أردتم أن تدعموا الإخوان المسلمين فادعموا الهيئة الخيرية!!

وهو تشويهٌ ظالم، فعلى الرغم من أن الداعي لفكرة الهيئة كان من الإخوان، وأن عددًا من أعضائها من الإخوان، فإن الهيئة تتميَّز بتمثيل متوازن لكل فئات الأمة، خصوصًا على مستوى أهل السنة، ولم يكن يسعها أن تتجاهل الإخوان المسلمين، وهم جماعة حيَّة كبيرة لها وجود ملموس في كل أقطار المسلمين.

ومن نظر إلى مجموع المؤسسين وجد فيهم عددًا كبيرًا من السعوديين.

نظرة رياضية:

وهذا الموقف من الأنظمة الحاكمة جعلني أستشعر أن الأمر ليس كما كنت أتوقعه، حين قلت: إن الألف مليون دولار يمكن أن تجمع من أكثر من ألف مليون شخص، على أساس متوسط دولار لكل فرد.

وقد نظرت في الأمر يومًا نظرة رياضية، فقلت: يمكننا أن نجمع الألف مليون بواحدة من هذه الطرق.

(1000) ألف فرد، يدفع كل واحد (1000000) مليون دولار، فتكون النتيجة = 1000.000000 ألف مليون.

أو (10.000) عشرة آلاف فرد، يدفع كل واحد (100.000) مائة ألف دولار، فتكون النتيجة = 1000.000000 ألف مليون.

أو (100.000) مائة ألف فرد، يدفع كل واحد (10.000) عشرة آلاف دولار، فتكون النتيجة = 1000.000000 ألف مليون.

أو (1000000) مليون فرد، يدفع كل واحد (1000) ألف دولار، فتكون النتيجة = 1000.000000 ألف مليون.

أو (10.000000) عشرة ملايين فرد، يدفع كل واحد (100) مائة دولار، فتكون النتيجة = 1000.000000 ألف مليون.

أو (100.000000) مائة مليون فرد، يدفع كل واحد (10) عشرة دولارات، فتكون النتيجة = 1000.000000 ألف مليون.

أو (1000.000000) ألف مليون فرد، يدفع كل واحد (1) دولارًا، واحدًا، فتكون النتيجة = 1000.000000 ألف مليون.

عقبات وحواجز:

ولكن تبيَّن لي أن هناك عقبات وعقبات، وحواجز وحواجز، تحول بيننا وبين الوصول إلى الفرد المسلم العادي، وأن هناك مئات الملايين من المسلمين لا يمكن الوصول إليهم، بعضهم وراء الستار الحديدي، وبعضهم محبوس في أقفاص الأنظمة الشمولية، وبعضهم تحكمه أنظمة علمانية إذا سمعت كلمة «إسلام» أصابها ما يشبه الصَّرَع، وبعضهم مشغول بلقمة عيشه التي لا يكاد يجدها.

وتمخّضت جهودنا في جمع الأموال التي أردناها في بلدين اثنين: الكويت بلد المقر، والذي كنا نطمع أن تمدنا دولته بمبلغ محترم يوقف الهيئة على قدميها في أول مسيرتها، وانتهت المقابلات والوعود إلى مبلغ 200.000 مائتي ألف دينار كويتي! غير المليون، الأول من أخينا أبي بدر، ثم عمارتان أوقفهما للهيئة، وتبرعات بعض أهل الخير، أخلف الله عليهم وجزاهم خيرًا.

والبلد الثاني، هو: قطر، الذي كان حساب الهيئة فيه عامرًا دائمًا بتبرعات أهل الخير، ولا سيما قبل أن تنشأ جمعية قطر الخيرية، وتستقطب معظم تبرعات المحسنين فيها.

ولقد زرنا الشيخ الأنصاري وأنا: عددًا من الشيوخ والتجار في قطر نعرّفهم بالهيئة وأغراضها، ونلتمس منهم دعمها بما أفاء الله عليهم، فكان معظمهم يسألنا: هل يجوز أن ندفع لها من الزكاة؟ وكان الجواب: يجوز دفع الزكاة للهيئة، ولكنها ستُصرف في مصارف الزكاة، ولن تدخل في رأس مال الهيئة المنشود الذي يعد صدقة جارية لصاحبه، وهو بمثابة الوقف الخيري، الذي يدوم ثوابه ما دام الانتفاع بريعه مستمرًا، حيث يحبس أصله، وتسبّل ثمرته.

والآن وقد مرّ على تأسيس الهيئة رسميًا خمس وعشرون سنة: لم نجمع من رأس المال المطلوب (وهو ألف مليون دولار) إلا مائة وخمسة وثلاثون (135) مليون دولار، وهو عار على أمة الإسلام.

أنشطة الهيئة المختلفة:

ومع هذا أثبتت الهيئة وجودها بأنشطتها المختلفة عن طريق ما يدفع إليها من الزكوات والصَّدقات والتبرعات المخصَّصة لبناء مساجد، أو مدارس، أو دور أيتام، أو طبع مصاحف، أو حفر آبار، أو نشر كتب، أو إنشاء مراكز للدعوة، وكلها أنشطة مهمة تبرّع بها أهل الخير، ممن وثقوا بإدارة الهيئة وأجهزتها في إنفاق هذه الأموال بأمانة وكفاءة.

وقد كان أخونا الشيخ يوسف الحجّي يأبى أن يأخذ من المتبرعين أي مبلغ مقابل الإدارة، ويرى أن هذا هو واجب الهيئة، لولا أن ضغطنا عليه، وقلنا إن هذا يقوّي الهيئة، وهو من حقّها، وهو لا يأخذ شيئًا لنفسه، بل يعمل محتسبًا في خدمة الهيئة من الصباح الباكر حتى المساء المتأخر جزاء الله خيرًا.

وقد أجاء الشرع الحكيم للعاملين على الزكاة أن يأخذوا أجرهم منها. فلماذا تتورّع الهيئة عن أخذ أجرها، وهو في النهاية مصروف للخير وللدعوة، وللفقراء والمحتاجين؟

حكم استثمار أموال الزكاة:

كما كان أخونا الحبيب الشيخ الحجي يرفض أن يستثمر شيئًا من أموال الزكاة، حتى لا تتعرض للمخاطر، والمفروض أنه أمانة لدى الهيئة حتى يصل إلى مصارفه، وقد استفتتني الهيئة في ذلك، فأفتيتها بجواز استثمار ما يجمع من أموال الزكاة في استثمارات قصيرة الأجل، حتى تصل إلى مستحقِّيها، في خلال السنة لا تزيد عن ذلك، على أن يكون ذلك في معاملات مأمونة المخاطر، وما يأتي من أرباح يضاف إلى الزكاة لحساب المستحقّين. واستجاب الشيخ يوسف الحجّي لذلك، واستمر الأمر عليه إلى اليوم. والحمد لله رب العالمين.