قال العلامة الدكتور يوسف القرضاوي إن ثورة الشعب المصري أصبحت معلما من معالم التاريخ المعاصر، مشيدا بشباب 25 يناير، الذين " لم يحملوا سلاحا ولم يميلوا الى العنف" وإنما نفذوا ثورتهم بالكلمة، لينجزوا ثورة عظيمة علمت الناس كيف تكون الثورات.
وأثنى فضيلته على مصر " بلد الحضارة والإيمان منذ عهد الفراعنة والوثنية"، حيث تبنت مصر الديانة المسيحية ودخلتها بقوة واصطدمت بالرومان، وكان عصر حروب سمي بعصر الشهداء، ثم دخلت الإسلام ودخلت الحروب ضد الصليبيين وأسرت ملكهم لويس التاسع عشر، وأخذت بثأرها من التتار في عين جالوت.
وقال القرضاوي في خطبة الجمعة الماضية من مسجد عمر بن الخطاب بالدوحة، إن هذه الثورة العظيمة علّمت الناس كيف تكون الثورات؟ مشيرا إلى أن ثورة أمريكا قامت بمائتي ألف في حين كان تعداد الشعب الأمريكي 200 مليون، لافتا إلى أن الثورة المصرية أصبحت مدرسة وجامعة لكيفية عيش الإخوة بعضهم مع بعض، لا فرق بين غني وفقير، ورجل وامرأة، وحيث يقوم أبناء الأسر الغنية بخدمة الناس.
وشبه الرئيس المصري المخلوع بفرعون، الذي أراه الله آيات كثيرة لكنه لم ينتبه، ولم يتعظ ولم يرجع الى الله.. هذا الفرعون الجديد.. كان الشعب المصري الكريم السمح يتجاوز عن هذه المصائب.. دستورية، اقتصادية من كل ناحية..
وحمل على النظام المصري الغابر واعتبره نظاماً أعمى لا يبصر، أصم لا يسمع، غبي لا يفهم، جامدا لا يحس، مذكرا بسنة الله العلي القدير في نصرة المظلومين وهزيمة الظالمين.
وأقسم القرضاوي أن جهود هذا الشباب المرابط لا يمكن أن تذهب سدى، إنهم منتصرون لأن سنة الله تأبى غير ذلك "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ" (الرعد:17)، هذه ثورة تنفع الناس، وليست رغوة، إنها حق راسخ، والمظلوم لابد أن ينتصر، والظالم مهما طغى لا بد أن يأخذه الله أخذاً أليماً شديداً، فإن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته "وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ" (هود:102)..
هؤلاء الطغاة لا بد أن يذهبوا فقدوا نصرة السماء والأرض والشعب والجيش.. حتى أصدقاؤهم يلعنونهم، كما أصبح الشعب جميعا يلعنهم.. لا يمكن أن يستمر الظلم، وإلا فأين ربوبية الله للعالم؟! "فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (الأنعام:45).
تونس الكرامة
ووجه القرضاوي كلمة للشعب التونسي التي أشعلت ثورته الشرارة الأولى.. فخصهم بالتقدير والشكر، وحذر من سرقة تلك الثورة، فقال: هناك لصوص الثورات، يقوم بها الأبطال والأحرار، ويأتي هؤلاء ليحصدوا.. معبرا عن خشيته على ثورتي مصر وتونس من هؤلاء اللصوص أن يخطفوا الثورة ليوجهوها لغير ما قامت له.
وأضاف محذرا: أريد من أبناء تونس أن يكونوا على الكثير من اليقظة والحذر حتى لا تسرق منهم ثورتهم، خصوصا أنه لا يزال هناك بقايا العهد الماضي، بما يسمى أمن الدولة..
وتابع: أدعو الشعب التونسي أن يكون حارسا أمينا لثورته.. فعليه حراسة الثورة.. وأطلب من فرنسا الكف عن التدخل في شؤون تونس.. يا فرنسا كما تريدين الحرية لنفسك اتركي الحرية لعباد الله.. نحن أحرار مثلك، وقبلك.. كفوا أيديكم عن التدخل في شأننا، نحن في عالم جديد.. لا نركع إلا لله.. وانصحوا أوروبا وكل حكام البلاد الذين يتخذون بلادنا مطية لهم أن يكفوا عن ذلك.
وقبل أن يختتم خطبته بالدعاء بالنصرة للثورة، توجه القرضاوي إلى الحكام بالقول: أنصح حكام العرب والمسلمين أن يعرفوا سير الزمن، وأن الساعة تدور، وأن الزمن تغير.. فغيروا ما بأنفسكم.. لم يعد التأله في الأرض هو القائد، الشعوب هي القائد، وبدل أن تتآمروا ضد شعوبكم قفوا مع شعوبكم، لقد بدأت الشرارة.. اتقوا النار قبل أن تلتهمكم.. احكموا بالعدل.