د. يوسف القرضاوي

للعلامة ابن رجب الحنبلي في شرح الحديث: "إنما الأعمال بالنيات" كلام جيد حول العمل المشوب، وإن خالف في بعضه الإمام الغزال.. قال رضي الله عنه:

"واعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياء محضا، بحيث لا يراد به سوى مراآة المخلوقين لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم، كما قال الله عز وجل: " وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً" (النساء:142)، وقال تعالى: " فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ".. الآية.(الماعون:4-5) وكذلك وصف الله الكفار بالرياء في قوله: " وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ" (الأنفال:47)

وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج، وغيرهما من الأعمال الظاهرة، أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة، وتارة يكون العمل لله، ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضا.

وذكر ابن رجب هنا جملة من الأحاديث، مرت بنا قبل هذا، فلا داعي لإعادتها. ويكفي منها ما خرج النسائي بإسناد جيد عن أبي أمامة الباهلي أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا شيء له" فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا شيء له" ثم قال: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا، وابتغى به وجهه".

وخرج الحاكم من حديث ابن عباس: قال رجل: يا رسول الله، إني أقف المواقف أريد وجه الله، وأريد أن يرى موطني، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا حتى نزلت: " فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا" (الكهف:110)

وممن روى عنه هذا المعنى، وأن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلا: طائفة من السلف، منهم عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، والحسن، وسعيد بن المسيب، وغيرهم، وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "لا يقبل الله عملا فيه مثقال حبة خردل من رياء".

ولا نعرف عن السلف في هذا خلافا، وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين (لعله يقصد الغزالي) ، فإن خالط نية الجهاد مثلا نية غير الرياء، مثل أخذ أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة، أو التجارة، نقص بذلك أجر جهادهم، ولم يبطل بالكلية. وفي "صحيح مسلم" عن عبدالله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الغزاة إذا غنموا غنيمة، تعجلوا ثلثي أجرهم، فإن لم يغنموا شيئا، تم لهم أجرهم".

وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضا من الدنيا أنه لا أجر له، وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا.

وقال الإمام أحمد: التاجر والمستأجر والمكارى أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزاتهم، ولا يكون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره.

وقال أيضا في من يأخذ جعلا على الجهاد: إذا لم يخرج لأجل الدراهم، فلا بأس أن يأخذ، كأنه خرج لدينه، فإن أعطى شيئا، أخذه.

وكذا روى عن عبدالله بن عمرو، قال: إذا أجمع أحدكم على الغزو، فعوضه الله رزقا، فلا بأس بذلك، وأما إن أحدكم إن أعطى درهما غزا، وإن منع درهما مكث، فلا خير في ذلك، وكذا قال الأوزاعي: إذا كانت نية الغازي على الغزو، فلا أرى بأسا.

وهكذا يقال فيمن أخذ شيئا في الحج ليحج به: إما عن نفسه، أو عن غيره، وقد روى عن مجاهد أنه قال في حج الجمال، وحج الأجير، وحج التاجر: هو تمام لا ينقص من أجورهم شيء، وهو محمول على أن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب.

وأما إن كان الأصل العمل لله، ثم طرأت عليه نية الرياء، فإن كان خاطرا ودفعه، فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه، فهل يحبط به عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري وغيره.

ويستدل لهذا القول بما خرجه أبو داود في "مراسيله" عن عطاء الخراساني أن رجلا قال: يا رسول الله، إن بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل الدنيا، ومنهم من يقاتل نجدة، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله، فأيهم الشهيد؟ قال: "كلهم" إذ كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا.

وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله، كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال، ونشر العلم، فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجديد نية.

وكذلك روى عن سليمان بن داود الهاشمي أنه قال: ربما أحدث بحديث ولي نية، فإذا أتيت على بعضه، تغيرت نيتي، فإذن الحديث الواحد يحتاج إلى نيات.

ولا يرد على هذا الجهاد، كما في مرسل عطاء الخراساني، فإن الجهاد يلزم بحضور الصف، ولا يجوز تركه حينئذ، فيصير كالحج، فأما إذا عمل العمل لله خالصا، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك، لم يضره ذلك".

وكان ذلك من عاجل ثوابه في حياته الدنيا، كما سيأتي في الحديث.

...................

* من كتاب "النية والإخلاص" لفضيلة العلامة.