د. يوسف القرضاوي

الخصيصة السادسة للحياة الربانية في الإسلام هي: التوازن والاعتدال؛ فالحياة الروحية في الإسلام ـ كما شرعها الله ورسوله ـ حياة معتدلة، متوازنة ومتناسقة مع جوانب الحياة المادية الأخرى، فلا يقبل فيها التنطع، ولا الغلو، الذي يجوز به المسلم على نفسه، وعلى حقوق الآخرين.

وهذا العنصر مكمل لعنصر اليسر والسهولة، الذي تحدثنا عنه، بل هو لازم من لوازمه، فإن المكلف الذي يخرج عن حد الوسطية والاعتدال، يدخل ـ لا محالة ـ في دائرة العسر والحرج.

لم يطلب الإسلام من المسلم أن يعتزل الناس والحياة، ليتعبد الله في صومعة أو يترهب في دير، بل أنكر على الذين ابتدعوا الرهبانية من عند أنفسهم، ثم لم يرعوها حق رعايتها.

وأنكر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، على من غلا من أصحابه في العبادة أو الزهد، مبينا لهم طريق الاعتدال، ومنهج التوازن، وهو طريقه ومنهجه صلى الله عليه وسلم، أي سنته التي يجب اتباعها، ولا يجوز رفضها، ولهذا قال للثلاثة الذين سألوا عن عبادته من أزواجه، فلما عرفوها تقالوها (عددها قليلة) وقالوا: أين نحن من رسول الله، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ وقال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر، ولا أفطر، وقال الثاني: وأنا أقوم الليل فلا أرقد، وقال الثالث: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، وسمع النبي صلى الله عليه وسلم بمقالتهم فجمعهم وخطب فيهم قائلا: "إنما أنا أخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".

إن الحياة الروحية الإسلامية لا تقتضي من المسلم أن يديم صيام النهار، وقيام الليل، وبذلك يجور على حق بدنه في الراحة، وحق عينه في النوم، وحق أهله في المؤانسة، وحق مجتمعه في المعونة، وهذا ما أوصى به الرسول عليه الصلاة والسلام عبدالله بن عمرو، حين تفرغ للصيام والقيام والتلاوة، وغفل عن حق نفسه، وحق زوجه، وحق زواره، فأمره النبي بالاعتدال في ذلك قائلا: "فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا".

والحياة الروحية في الإسلام لا تستوجب من المسلم أن يحرم على نفسه طيبات الحياة الدنيا، كما صنعت المانوية في فارس، البرهمية في الهند، والبوذية في الصين، والرواقية في اليونان، والرهبانية في الديانة النصرانية.

والقرآن الكريم في غير موضع منه، شدد الإنكار على الذين حرموا طيبات ما أحل الله، وبين لهم أن الله تعالى خلق لهم ما في الأرض جميعا، وما كان سبحانه ليخلقها لهم، ثم يحرمها عليهم!

كل ما طلبه منهم أن يتناولوها باعتدال، بلا إسراف ولا تقتير، وألا يعتدوا فيها على حق أحد، وأن يشكروا نعمة الله فيها، بالاستعانة بها على طاعته وعدم استخدامها في معصيته، وإفساد أرضه.

يقول تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (الأعراف:31-32)

ويقول: {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (النحل:114) ، {كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} (البقرة:60) ، ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} (المائدة:87-88) .  

فلا حرج على المسلم أن يستمتع ـ وهو في قمة ارتقائه الروحي ـ بطيبات المأكل والمشرب، وطيبات الملبس والزينة، وطيبات المسكن والمأوى، وطيبات الحياة الزوجية، وطيبات اللهو والترويح.

.....

- المصدر: "الحياة الربانية والعلم" لسماحة العلامة.