الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله (وبعد)

فإننا نأسف أشد الأسف لما حدث من هجمات على مركز التجارة العالمي وغيره من المنشآت في الولايات المتحدة الأميركية. برغم معارضتنا للسياسة الأمريكية المتحيزة لإسرائيل المساندة لها على كل الأصعدة العسكرية والسياسية والاقتصادية.

ذلك أن ديننا الحنيف يحترم النفس الإنسانية ويجعل لها حرمتها، ويحرم الاعتداء عليها، ويجعل ذلك من أكبر الكبائر، حيث قرر القرآن (أن من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً)، وقال رسول الإسلام "لا يزال الرجل في فسحة من دينه حتى يسفك دما حراماً".

ولا يجيز الإسلام بحال القتل العشوائي للناس بحيث يؤخذ البريء بالمسيء، والمظلوم بالظالم، فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى.

لقد رأى الرسول الكريم امرأة مقتولة في إحدى المعارك، فأنكر ذلك بشدة وقال: ما كانت هذه لتقاتل!

ومعنى هذا أن الأصل في الحرب الإسلامية المشروعة: أن لا يقتل فيها إلا من يقاتل بالفعل، ولا تقتل امرأة ولا شيخ ولا طفل، ولا راهب في صومعة متفرع لعبادة الله.

ومن هنا كان قتل آلاف الناس من المدنيين المسالمين الذين لا نب لهم، ولا دخل لهم في صنع القرار السياسي، وهم يسعون لكسب عيشهم كالذين قتلوا في هذه الانفجارات: يعتبر جريمة كبيرة في نظر الإسلام، وهو الدين الذي أعلن رسوله أن امرأة دخلت النار من أجل هرة حبستها حتى ماتت فكيف بالإنسان الذي كرمه الله واستخلفه في الأرض؟

ونحن العرب المسلمين أكثر الناس إحساساً بمآسي القتل العدواني وآثاره على النفس والحياة، ونحن نعاني منه يومياً في أرضنا المقدسة فلسطين على يد الكيان الصهيوني المتجبر، حيث نصبح ونمسي على بيوت تهدم، ومزارع تحرق، وأرواح تزهق، وأطفال تيتم. حتى أصبحت الحياة في فلسطين مأتماً دائماً.

وإني لأستبعد كل الاستبعاد أن يقوم بهذا العمل أحد من المسلمين، فإن دينه ينهاه عن قتل من لا ذنب له. ولو فرض أن هذا وقع من مسلم فنحن ننكره ونجرمه، باسم ديننا وشريعتنا، ونؤكد أنه يستحق العقوبة الشرعية الرادعة.

ولكن الذي نحذر منه – حتى لو تحقق ذلك أن تؤخذ الأمة الإسلامية كلها بجريمة أفراد مسيحيين في أميركا نفسها، كما في حادث أوكلاهوما سيتي الشهير، أن قام به مسيحي أمريكي، بدوافع خاصة. فلم لم تتهم المسيحية ولا أميركا ولا العالم المسيحي من أجل جريمته التي اقترفها؟

وإذا كنا ننكر على مرتكبي هذا العمل العدواني معاقبة الشعب الأمريكي كله على ما اقترفه بعض ساستهم في نظرهم، فإننا ننكر على الإدارة الأميركية وعلى الشعب الأميركي أن يدين الإسلام والمسلمين كافة بجريرة أفراد منهم لو ثبت ذلك. فكل امرئ بما كسب رهين.

ولطالما سئلت في حلقات تلفزيونية وفي محاضرات عامة، عن عمليات فدائية خارج فلسطين، فكان جوابي: إنني مع جماعة حماس في حصر المعركة في أرض فلسطين المحتلة، ومقاتلة العدو المحتل المباشر، وعدم جواز نقل المعركة خارج فلسطين لأن منطق حماس هنا مستمد من القرآن الكريم الذي يقول (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين).

إن هذا الحادث الفظيع لا يستفيد منه فلسطيني ولا عربي ولا مسلم، بل هو يشوه صورة الإسلام إذا صدر عن مسلم، ولا يستفيد من هذا العمل غير إسرائيل وحدها، التي استغلت انشغال العالم بالمأساة الحالية، لتضاعف ضرباتها للفلسطينيين، وتطويق مدينة جنين وغيرها، وتكثف قصفها وقتلها الجماعي للشعب الفلسطيني المحاصر عسكرياً، واقتصادياً، والمهدد بالبطالة والجوع.

كما أن هذا لحادث يؤذي ملايين المسلمين الذين يعيشون في أميركا، وأصبحوا جزءاً لا يتجزأ من مجتمعها، وهم يجتهدون في الإسهام في خدمة بلدهم ومجتمعهم الأميركي، كما يجتهدون أن يقدموا صورة مشرفة للإسلام الذي يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة والحوار بالتي هي أحسن،ومثل هذا العمل البشع يشوش عليهم دعوتهم، ويعوق مسيرتهم.

وإني لأدعو المسلمين في أميركا أن يسارعوا بأداء واجبهم في إنقاذ المصابين وفي التبرع بالدم، فهو من أعظم الصدقات عند الله، لما فيه من إحياء نفس بشرية (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً)، وقد علّمنا رسولنا أن "في كل كبد رطبة أجر"، كما إني أقدم عزائي للشعب الأميركي، ولأهالي المصابين، سائلاً الله أن يلهمهم الصبر وأن يعوضهم خيراً.

وأني لآمل أن يكون هذا الدرس الأليم القاسي محركاً لضمير الإدارة الأميركية لتراجع نفسها في موقفها المنحاز أبداً لإسرائيل المعتدية المستكبرة في الأرض بغير الحق، ولتنظر نظرة عادلة في مأساة الشعب الفلسطيني الذي أخرج من داره وشرد من أرضه ظلماً وعدواناً، والذي لا تزال تنتهك حرماته، وتدنس مقدساته، ويقتل أبناؤه وبناته، وتدمر بيوته ومنشآته، فليس هنالك أبلغ من الأحداث الكبيرة في إحياء النفوس، وإيقاظ الضمائر، وتغيير المواقف (إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار).