السؤال: قرأت في كتاب " الصديق أبو بكر " ص 316 بشأن الآية "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر" فقيل إن هذه وردت في مصحف عائشة وحفصة وأم سلمة. فما رأي فضيلتكم في هذا، علمًا بأننا نقرأ في القرآن الذي بين أيدينا والذي لا يأتيه الباطل، قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى}. [البقرة: 238].

 

جواب فضيلة الشيخ:

كان بعض الصحابة لهم مصاحف خاصة بهم، يجعلون في هذه المصاحف شيئًا من التفسيرات أو التعليقات أونحو ذلك من الإضافات التوضيحية التفسيرية. فالذي قرأه الأخ زيادة على ما في المصحف الذي بين أيدينا، والذي قيل أنه ورد في مصحف عائشة وحفصة وأم سلمة، هو بمثابة التفسير لا غير، وقد جاءت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.

 

وهذا أصح ما ورد بصدد تلك الآية. لقد اختلف العلماء والأئمة منذ عهد الصحابة فيما هي الصلاة الوسطى؟ هل هي الصبح. أم هي الظهر، أم هي العصر؟ إلى آخر ما قالوا. والصحيح الذي وردت به الأحاديث أنها صلاة العصر (1).

 

ويبدو أن عائشة رضي الله عنها وضعت في مصحفها (وصلاة العصر) وفي تلك الأيام لم تكن هناك طريقة معروفة في الكتابة لفصل الأصل عن التفسير، فليست هناك أقواس معروفة مثلا يوضع الكلام التفسيري بينها، أو حبر مغاير في اللون يكتب به ما يضاف إلى الأصل .. وقد وردت بعض الروايات بدون (واو)  "والصلاة الوسطى صلاة العصر" وبعض الروايات وردت (بالواو) " وصلاة العصر" وقالوا: هذه من عطف الأوصاف لا من عطف الموصوفات.

 

فالإضافة إذن نوع من التفسير وليست من كلام الله عز وجل، ولهذا لم يوضع في مصحف عثمان، المصحف الإمام، حيث لم يكتب فيه إلا الكلام الذي عرضه جبريل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في العرضة الأخيرة، وإلا ما كان متواترًا عند الصحابة.

 

أما التفسيرات والكتابات الجانبية فقد حذفها عثمان من المصاحف تمامًا، واستقر على ذلك رأي الصحابة والتابعين ومن تبعهم من المسلمين وأجمعوا على هذا طوال العصور. ولهذا لم يقرأ أحد من الأئمة القراء، لا من الصحابة ولا من التابعين ولا ممن بعدهم ولا من القراء السبعة، ولا من القراء العشرة، بهذا الذي جاء في مصحف عائشة وغيرها.

 

فالحجة عندنا هو المصحف الإمام، مصحف عثمان، الذي أجمعت عليه الأمة الإسلامية في سائر الأجيال، وتناقلته القرون، وتلقاه الخلف عن السلف، وأصبح معلومًا من الدين بالضرورة. وأما ما زاد على ذلك فلا يعدو كونه من التفسير، كقراءة ابن مسعود في مصحفه " فصيام ثلاثة أيام متتابعات" وقد اعتبر العلماء كلمة "متتابعات" (2) نوعًا من التفسير، فإن ابن مسعود أضاف تلك الكلمة بعد أن سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم في بيان حكم الصوم في كفارة اليمين أن يكون ثلاثة أيام متتابعات (3) ولو كان ابن مسعود في عصرنا هذا لكتبها بين قوسين، أو بحبر مغاير، أو كتبها على الهامش.

 

ولكن في ذلك العصر، لم يكن شيء من ذلك معروفًا، كما أنهم كانوا يعرفون ما هو الأصل وما هو التفسير. ولهذا لم تعتبر الأمة الإسلامية ذلك التفسير من أصل كتاب ربها، وإنما الأصل هو هذا المصحف الذي بين أيدينا والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي قد أجمعت الأمة على كل شيء فيه: على سوره وآياته وحروفه، وعلى أحكام تجويده وتلاوته.

 

ليس هناك كتاب في الدنيا خُدم كما خُدم القرآن الكريم، وتولى الله حفظه بنفسه إلا القرآن الكريم. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. [الحجر: 9].

.................

(1) منها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا" رواه مسلم في المساجد (628) عن ابن مسعود رضي الله عنه، ولمعرفة تفاصيل المسألة وأدلتها يراجع: تفسير ابن كثير (1/ 648 وما بعدها).

(2) تفسير ابن كثير (3/ 177).

(3) قال ابن كثير تفسير (3/ 177) في قراءة "متتابعات": وهذه إذا لم يثبت كونها قرآنا متواترا، فلا أقل أن يكون خبرا واحدا، أو تفسيرا من الصحابي، وهو في حكم المرفوع.