السؤال: هل الإيمان يتجزأ؟ فمثلًا من يصوم ولا يصلي، فيه جزء من الإيمان، وليس فيه جزء آخر؟ وهل يستطيع الإنسان أن يسير بنفسه وزوجته وأولاده على الطريق المستقيم دون أن يكون شاذًّا في نظر المجتمع؟

جواب فضيلة الشيخ:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الإنسان إذا آمن إيمانًا صادقًا كاملًا صحيحًا، يظهر أثر الإيمان في حياته كلها، في سلوكه الشخصي، وفي سلوكه مع عائلته، وفي سلوكه مع زملائه، وفي سلوكه العام، وفي وظيفته، يظهر الإيمان في حياته كلها، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:162]؛ لأن الإيمان ليس في الجامع فقط، أو في رمضان فقط، فبعض الناس في رمضان يحافظ على الصلاة والقرآن والصدقات ومكارم الأخلاق، فإذا خرج رمضان، ترك الصلاة، وهجر المصحف، وأطلق لنفسه الحبل على الغارب، وكأنه يعبد رمضان، وكأن رب شوال ليس رب رمضان. ونحن نقول دائما: من كان يعبد رمضان فإن رمضان قد مات، ومن كان يعبد الله تعالى فإن الله حي لا يموت.

لكن أحيانا يضعف الإيمان أمام بعض المغريات، فتجد الإنسان يرتكب بعض ما حرم الله، أو يضعف أمام بعض تقاليد المجتمع، ومثل هذا الإنسان لا نجرده من الإيمان كلية، فنقول: إنه كافر أو مرتد، ولكن في مثل الحالة نقول: إنه ضعيف الإيمان.

وأقول للسائل: تستطيع أن تعيش مؤمنا وأن تتمتع بالحياة، فالإسلام يطلب منك أن تبتعد عن الحرام، والله من رحمته لم يحرم إلا ما فيه الضرر، أباح الطيبات وحرَّم الخبائث، قال تعالى واصفا النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ودعوته: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف:157]. وقال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج:78]. ولم يكلف الله الإنسان شيئا إلا وهو يستطيعه، فإذا أمره بأمر فهو يستطيع فعله، وإذا نهاه عن شيء فهو يستطيع أن ينتهي عنه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة:286].

ولو تأملتَ لوجدتَ أن الله تعالى بهذه المحرمات التي حرمها يحفظ الفرد جسميًّا، ويحفظه عقليًّا، ويحفظه خُلقيًّا، ويحفظه روحيًّا، ويحفظه اجتماعيًّا، يحفظ دنياه ويحفظ آخرته، فأقول للأخ السائل: عليك فقط أن تَصْدُق العزم، لتعيش مسلمًا صادق الإسلام، وفي الوقت نفسه تتمتع بطيبات الحياة، {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف:32] ، أي هي في الدنيا للذين آمنوا أصالة، ولغيرهم بالتبع، وفي الآخرة تكون الطيبات خالصة للمؤمنين.

فالإنسان يستطيع أن يعيش مسلمًا وأن يتمتع بالحياة؛ لأن الإسلام لم يحرم علينا طيبات الحياة، ولم يأمرنا أبدا أن نكون رهبانًا في دير، أو دراويش في تكية أوزاوية، منقطعين عن الحياة، وقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر"(1). والقرآن يمتدح من يدعو بحسنتي الدنيا والآخرة: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة:201]. والقرآن يقول: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص:77]. فلا مانع أبدًا من أن يأخذ الإنسان حظه من الحياة ومتعها الطيبة وأن يكون مسلمًا ملتزمًا بإسلامه.

عليك فقط أن تبتعد عن المنكرات والمحرمات، فالحياة العصرية جزءان، جزء مقبول، وهذا لم يمنعنا منه الإسلام، فأستطيع أن أُلبس ابنتي ملابس طيبة وجميلة، وتكون مع هذا سابغة وساترة، وأستطيع أن أسمع أغنية لطيفة ليس فيها ما يدعو إلى الحرام، أو أرى منظرا جميلا في التلفزيون، أو أتريض، أو أخرج في نزهة، أو أمازح أصدقائي وأولادي، كل هذا مباح لي ولزوجتي وأولادي، لكن ليس معنى هذا أن من أجل أن تعيش ابنتي حياة عصرية أن أسمح لها أن تراقص فتى أجنبيًّا، أو لا تلتزم بالثوب الشرعي، أو أسمح لزوجتي أن تراقص الأجانب، لأكون رجلا عصريا، لا، فليس هذا مقبولا.

وأقول لأخي السائل: ليس معنى أن يحيا المسلم حياة عصرية أن يأخذ هذه الحياة العصرية بخيرها وشرها، وحلوها ومرها، وما يُحَبُّ منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب، وما يحل منها وما يحرم- كما قال بعض الناس في وقت من الأوقات: نأخذ الحياة الغربية بعجرها وبجرها- ولا أن ينسلخ من دينه وأخلاقه وقيمه، لا، بل لا بد لنا أن ننتقي فنأخذ ما يلائمنا، وندع ما لا يلائمنا، هذا هو الطبيعي، فليس كل ما في الحضارة الحديثة والحياة العصرية يلائمنا؛ لأن منظار المسلم غير منظار الإنسان الغربي، للمسلم فلسفة في الحياة غير فلسفة الغربي، وله أهداف غير أهدافه، وله تقاليد غير تقاليده، فإذا كنتَ مسلمًا حقًّا فلا بد أن تأخذ من الحياة ما يلائمك، وتدع ما لا يلائمك.

أما أن تسلم نفسك للتيار يدفعك حيث يشاء، وأنتَ لا إرادة لك، فهذا لا ينبغي، بل للمسلم شخصيته النابعة من اعتزازه بدينه، وإيمانه بربه، كما قال رسول الله: "لا تكونوا إمَّعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنُوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا"(2).

تستطيع أن تتمتع بالحياة، وتستعمل أحدث ما أنتجته الحياة العصرية من التكنولوجيا الحديثة، والحياة العصرية، بشرط البعد عن الحرام، ودائرة الحرام دائرة محدودة جدًّا،  ودائرة الحلال لا حد لها، أو كما قال الفقهاء: الأصل في الأشياء الإباحة، ويستطيع المسلم أن يستغني بالحلال عن الحرام، وبالطاعة عن المعصية.

.............

(1) رواه مسلم في الذكر (2720) ، عن أبي هريرة.

(2) رواه الترمذي في البر والصلة (2007) وقال: حسن غريب، والبزار (2802). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (6271)، عن حذيفة بن اليمان، ولكنه يتماشى مع القواعد العامة، والمبادى الكلية في الإسلام، ولا غرو وإن حسنه الترمذي.