لم يكن الأزهر غريبا عن دعوة حسن البنا، بل كان حضوره بأبنائه وإسهامهم في الدعوة واضحا من أول يوم، فقد كان من المؤسسين الأوائل للدعوة مع الأستاذ البنا: الشيخ "حامد عسكرية"، الذي ذكره الإمام البنا في مذكراته في أكثر من مكان، والذي شهد له كل من عرفوه بأنه كان عالما وواعظا أزهريا متميزا من الرجال المخلصين والمتجردين، نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله.

 

وكان كاتبا مُجيدا ، فقد شارك الأستاذ البنا بالكتابة في مجلته الأولى - مجلة " جريدة الإخوان المسلمين " الأسبوعية - فكتب فيها شروحا لعدة أحاديث نبوية ، وغيرها من المقالات ، وقد كانت شعبة الإخوان في شبراخيت بالبحيرة ، وهي الشعبة الثانية بعد شعبة الاسماعيلية ، وذلك بسبب وجود الشيخ عسكرية في شبراخيت، وقد قدر الله تعالى أن تخترمه المنية في شبابه، وينتقل إلى جوار ربه والدعوة لا تزال في طورها الأول. وكان من الأوائل الشيخ أحمد عبد الحميد، وقد كان أحد المعتقلين في الطور 1949م.

 

ومن علماء الأزهر الذين التحقوا بالدعوة وهم طلاب عدد من الرعيل الأول، من أمثال: الشيخ أحمد حسن الباقوري، والشيخ محمد الغزالي، والشيخ عبد المعز عبد الستار، والشيخ محمد فرغلي، والشيخ أحمد شريت، والشيخ سيد سابق، والشيخ عبد اللطيف الشعشاعي. وغيرهم ممن كان له باع رحب في الدعوة، لا يجهله أحد.

 

وكان الشيخ البنا حفيا بالأزهر ورجاله، وكانت علاقته ـ كما علمت ـ طيبة بالأستاذ الأكبر الشيخ المراغي رحمه الله، وبكثير من كبار الشيوخ، وحين كلف الأستاذ البنا إصدار (مجلة المنار) بعد وفاة مؤسسها العلامة المجدد محمد رشيد رضا، كتب الإمام المراغي مقدمة لأول عدد أصدره البنا، فكان مما قال فيه:

(والآن قد علمت أنَّ الأستاذ حسن البنا يريد أن يبعث (المنار) ويعيد سيرتَها الأولى، فسرَّني هذا، فإن الأستاذ البنا رجل مسلم غيور على دينه، يفهم الوسط الذي يعيش فيه، ويعرف مواضع الداء في جسم الأمة الإسلامية، ويفقه أسرار الإسلام، وقد اتصل بالناس اتصالاً وثيقًا على اختلاف طبقاتهم وشغل نفسه بالإصلاح الديني والاجتماعي على الطريقة التي كان يرضاها سلف هذه الأمة) أ.هـ

 

وأذكر أنه في حفل من الاحتفالات التي أقيمت في طنطا، حضر عدد من علماء المعهد، على رأسهم الشيخ محمد أبو طبل وكيل المعهد، وقد رحب الأستاذ بهم ترحيبا خاصا، وقال لهم: أنتم الجيش الرسمي للدفاع عن الإسلام، ونحن الجيش الاحتياطي من ورائكم، فقودوا الركب تجدونا من خلفكم.

 

مع الإمام البنا:

كان الإمام حسن البنا في القاهرة، وكنت في طنطا، فلم يكن لقائي إياه ممكنا إلا أن أذهب إلى القاهرة، أو يأتي هو إلى طنطا، وكم تمنيت أن أستمع إليه ـ ولو مرة واحدة ـ في حديث الثلاثاء، الذي يلقيه في المركز العام للإخوان، في معظم أيام السنة، ولكني لم أظفر بذلك، ولا مرة واحدة، حتى المرات التي كنا نسافر فيها مجانا ـ نحن طلاب المعهد الديني ـ لم نصادف فيها حديث ثلاثاء، إما لأن الدرس كان متوقفا في تلك الفترة لأسباب ما، أو لأن اليوم لم يكن يوم ثلاثاء، ولا يمكننا البقاء في القاهرة إلى الثلاثاء المقبل، ونحن غرباء.

فلم يبق لي سبيل إلى لقاء الشيخ والاستمتاع بحديثه وتوجيهه وفكره إلا بحضوره هو إلى طنطا، أو بعض المدن الأخرى القريبة.

 

ومن المرات التي حضرها إلى طنطا، وألقى فيها أكثر من حديث، منها حديث مع المعلمين، وحديث مع الطلاب، وقد أوصانا في هذا اللقاء بوصايا ثلاث: الاجتهاد في العلم، والاستقامة في الدين، والمحبة بيننا، ومن المرات التي زار فيها طنطا، حين اشتعال قضية فلسطين، والتنادي بالجهاد، وتخاذل الحكومات العربية، وقال: ليتهم يمدون أهل فلسطين بالمال والسلاح والمتطوعين، ويكفون أيديهم عنهم.

 

وفي هذه الزيارة ألقيت قصيدة بين يديه في مدحه، وما مدحت أحدا من الأحياء غيره، وقد وقعت منه موقع الرضا والاستحسان، وأحسبه قال: إنه لشاعر فحل، أو شاعر مطبوع، لا أذكر تماما. وقد أخذ القصيدة مني سكرتيره الأستاذ "سعد الدين الوليلي"، الذي كان يرافقه باستمرار غالبا.

 

ولم تكن عندي منها نسخة أخرى، ولكني كنت أحفظ أكثرها، وحين أراد الأخ الحبيب "حسني أدهم جرار" جمع ما تيسر من شعري، أمليت ما أحفظه عليه منها، ونشرت بعنوان: "يا مرشد قاد بالإسلام إخوانا" في ديواني "نفحات ولفحات":

أردتَ تجديد صرح الدين إذ عبثت * به السنون، فهدت منه جدرانا

فـما وهنت منه أحـجـار ترممه * ومـا هـي أسـه تبنيه بنيانا

ترسي الأساس على التوحيد في ثقة * وترفع الصرح بالأخلاق مزدانا

حتى بلغـت الأعالي مصلحا بطلا * تطل من فـوقها كالبدر جذلانا

وثلـة الهدم فـي السفلى مواقفهم * صبوا عليك الأذى بغيا وعدوانا

ترميك بالإفــك أقـلام وألسنة * خـانت أمانتها يا بئس من خانا

كــذلك لا بد للبناء مـن حجر * يصيبه أو يصيب الطـين أردانا

 

قال : يا رب سلم .

 

آذوك ظلما، فلم تجز الأذى بأذى * لكن جعلت جزاء السوء إحسانا

فكنت كالنخل يُرمى بالحجارة من * قـوم، في رميهمو بالتمر ألـوانا

قـد أوسعـوك أكـاذيبا ملفقة * وأنت أوسعتهم صفحا وغـفرانا

ومـن تكـن برسول الله أسوته * كـانت خـلائقه روحا وريحانا

 

إلى كفر المصيلحة:

ومن البلاد التي ذهبنا إليها وراء حسن البنا: كفر المصيلحة، بجوار مدينة شبين الكوم، ذهبت في فرقة الجوالة، بلبس الجوالة، وتحدث الأستاذ في ذلك الحفل الكبير ـ على عادته ـ حديثا جامعا استشهد فيه بالشعر كثيرا.

 

وبتنا هناك، وكانت الليلة ليلة جمعة، ففي اليوم التالي خطب الأستاذ خطبة الجمعة في (المسجد العباسي) وتحدث فيها عن هدفين أساسيين يجب أن تنصب جهود العاملين عليهما، وهما: الفكرة الإسلامية، والأرض الإسلامية، ولا بد أن يكون أكبر همنا: تحقيق الفكرة الإسلامية، وتحرير الأرض الإسلامية. وعدنا بعدها إلى طنطا.

 

إلى كفر الزيات:

وفي إحدى المرات بعد زيارته إلى طنطا، كانت رحلته إلى مدينة (كفر الزيات) من مراكز الغربية، وقد خطب فيها الجمعة، وترك الحديث بعد الجمعة للشاب الداعية المتألق "محمد فتحي عثمان"، الذي كان يصحبه في هذه الرحلة، والذي كانت كلمته موضع القبول والرضا من الحاضرين.

 

وكان الأستاذ البنا يصطحب بعض هؤلاء الشباب النابهين ليدربهم من ناحية، وليبرزهم للناس من ناحية أخرى. وكان فتحي عثمان صاحب لسان وقلم، فهو خطيب مفوه، وكاتب بارع. كما أنه مترجم من الطراز الأول، فقد بعثه الأستاذ المرشد العام يوما مع السيد "عليم الله الصديقي" وهو داعية باكستاني يتكلم بالإنجليزية ولا يحسن العربية، فكان الذي يترجم له فتحي عثمان الذي أسر الحضور بحسن ترجمته، وحلاوة بيانه، الذي يرتجله.

 

إلى دسوق:

ومن المرات التي سافرنا فيها لنحظى بالسماع للأستاذ البنا: سفرنا إلى مدينة (دسوق)، ونظرا لثقل تكاليف الرحلة علينا، فقد قررنا أن نسافر بقطار الدلتا لرخصه، وإن كان بطيئا، وركبنا الدلتا، أنا والعسال والدمرداش، ووصلنا إلى دسوق، وكان بمناسبة الاحتفال بذكرى المولد النبوي، وكان مع الأستاذ زوج ابنته الداعية المحبوب المعروف الأستاذ سعيد رمضان، وقد ألقى كلمة موفقة قبل كلمة الأستاذ، كما تكلم الدكتور القاضي رئيس الإخوان في دسوق. ثم تكلم الأستاذ فأفاض وأبدع، كما هو المعتاد.

وبتنا في دسوق ضيوفا على الإخوان، ثم عدنا في اليوم التالي إلى طنطا.

 

ليلة ويوم مع المرشد في المحلة:

ومن أهم المرات التي لقيت فيها الأستاذ المرشد حسن البنا: مرة زيارته للمحلة الكبرى، قادما من زفتى. وقد أقيم له سرادق كبير، دعي إليه جم غفير من المحلة ومما حولها من البلدان. وقد تحدث بعض الإخوة، ثم كان حديث الأستاذ في الختام.

 

وفي أثناء حديث الأستاذ حدث هرج ومرج، استطاع الأستاذ معه أن يسيطر على الموقف بسرعة، ويمتلك قلوب الحاضرين.

ذلك أن جماعة من الحزبيين بالمحلة أرادوا أن يفسدوا حفل الإخوان، بافتعال معركة مع الإخوان، وبمجرد حدوث ضجة سينفرط العقد، ويختل النظام، ويهيج الناس، فينفض الحفل لا محالة.

 

هكذا خطط المخططون، وكاد الكائدون، ولكن الله رد كيدهم في نحورهم، فقد تجمعوا يحملون عصيهم وهراواتهم، واقتربوا من الحفل وهم يهتفون هتافات معادية. وكانت الخطة أن يصلوا إلى السرادق، وهم يرددون هتافاتهم متحدِّين للإخوان، فيرد عليهم الإخوان بهتافات ضد هتافاتهم ويصطدم الفريقان، وبمجرد أن يحدث الاحتكاك، سيحدث الاختلال.

 

وقد كادت الخطة تنجح لولا موقف الأستاذ البنا، الذي أحس بأن شيئا بالخارج يحدث، فقال للحاضرين: أيها الإخوة، الزموا أماكنكم، فوالله ما نريد بأحد سوءا، ولكن نريد لهذه الأمة أن تنهض من كبوتها، وأن تتوحد من فرقتها، وأن تعتصم بحبل الله جميعا ولا تتفرق.

 

وارتفع صوت الأستاذ، وهو يقول بلهجة ثائرة لم أره ثار مثلها من قبل: إننا أقوياء بالله فلن نضعف أبدا، أعزاء بالله فلن نذل أبدا، أغنياء بالله فلن نفتقر أبدا. إننا نريد أن نؤدب الأمة بأدب جديد هو أدب الإسلام، وأن نربيها على خلق الإسلام، وأن نقودها بمنهج الإسلام، لتسير خلف أعظم قائد، وأشرف قائد، محمد عليه الصلاة والسلام.

 

هذه الكلمات الثائرة، التي انطلقت من فم حسن البنا كأنها القنابل في دويها، كانت بردا وسلاما على سامعيها، شدتهم إلى الرجل شدا، وأسرتهم أسرا، وبقي كل واحد في موضعه لم يتحرك يمنة ولا يسرة. في هذه الحالة كان جوالة الإخوان قد أنهوا تلك الحركة المشاغبة، وفرّقوا جمعهم، وأمسكوا ببعضهم، وولى الآخرون هاربين. وهنا عاد البنا يقول: كنا نتحدث عن كذا وكذا، كأن شيئا لم يكن، وانتهى الحفل على خير حال.

 

وذهب الأستاذ بعد ذلك إلى دار الإخوان ليلتقي بنواب الشعب، ثم بالعمال، ثم بالطلاب، وظل في اجتماعات إلى أن بقي على الفجر حوالي ساعة، فقال: أستأذنكم لأستريح هذه الساعة، ودخل حجرة ليستريح، وبعد ساعة، وجدناه خارجا، فلا أدري هل نام هذه الساعة أو لم ينم؟ الذين عايشوه قالوا: إنه إذا أراد أن ينام نام، وكان يقول: إذا أحب الله عبدا سخر له النوم!

 

وجاء الفجر فصلى بنا، وقرأ سورة (ق) في الركعتين، وبعد ذلك أخلدنا نحن إلى النوم، ولا ندري ماذا فعل الشيخ بعد ذلك، وعندما استيقظنا في الضحى، علمنا أن الشيخ مدعو إلى قرية (محلة أبو علي) بجوار المحلة، لتناول الغداء فيها، ثم إلقاء محاضرة في أحد مساجدها.

 

ومن هنا سافرت إلى محلة أبو علي لألتقي بأصدقائي فيها، ولننتظر الشيخ هناك، وقد صلينا العصر في المسجد العباسي مع الأستاذ المرشد، وألقى محاضرة بعد العصر، نوّه في مقدمتها بعلماء البلدة ودعاتها، مثل الشيخ أحمد القط.

 

وبعد انتهاء المحاضرة ودّع الشيخ إخوانه ومضيفيه في محلة أبو علي، ليولي شطره نحو مدينة (بلقاس) وهي آخر محطة في هذه الرحلة الدعوية، ليعود من جديد إلى القاهرة، ليستعد لرحلة أخرى، فهكذا هو أبدا، حل وارتحال، وحركة وانتقال، وقد سمعته مرة يقول: نحن كالعرب أصحاب الخيام:

يوما بحزوى ، ويوما بالعقيق ، وبا * لعذيب يوما ، ويوما بالخليصاء