كانت المرحلة الثانوية بالنسبة لي منطلق النشاط الدعوي الإخواني المكثف، فقد كنت أعمل في الإخوان في ميدانين أو قسمين أساسيين: قسم الطلاب، وقسم نشر الدعوة.

وكنت أتحرك في نشر الدعوة على مستوى مديرية الغربية، وكانت الغربية في ذلك الوقت تشمل كل ما يسمى اليوم (محافظة كفر الشيخ) وكذلك محافظة دمياط، ما عدا مدينة دمياط نفسها، وجزءا مما دخل اليوم في محافظة الدقهلية.

 

وكانت طلبات البلاد المختلفة تأتي إلى قسم الدعوة بطنطا تلح عليهم بإرسال (الداعية المحبوب) يوسف القرضاوي، وكان الإخوة المسؤولون عن الدعوة في طنطا يقولون لي: ماذا نفعل أمام هذه الطلبات المتكاثرة والمتكررة، وقد رزقت حب الناس؟

 

وكانت هذه نعمة جزيلة من الله تبارك وتعالى عليّ، أن منحني حب عباده، فضلا منه ومِنَّة عليّ، مع أني في قرارة نفسي لا أراني أهلا لهذا الحب الكبير، وأسأل الله تعالى أن يغفر لي ما لا يعلمون، ولا يؤاخذني بما يقولون. وكان بعض البلاد أكثر طلبا لي من غيرها، مثل كفر الشيخ وبسيون والمحلة الكبرى.

بل زرت بلادا خارج الغربية، وخصوصا في (المنوفية) مثل شبين الكوم، وتلا، وقويسنا، كما زرت مدينة المنصورة وغيرها من الدقهلية، وزرت الزقازيق عاصمة الشرقية.

 

واقعة دعوية لا أنساها:

ومن الوقائع التي لا تنسى في مجال الدعوة: ما وقع لي في أحد (الرمضانات) وقد كنت في الإجازة الصيفية مقيما في القرية، وأرسل إليّ الإخوة في طنطا: أن الإخوان في كفر الشيخ يطلبونك لخطبة الجمعة في أحد البلاد هناك، وسينتظرك أحدهم في موقف الأوتوبيس القادم من المحلة إلى كفر الشيخ، ونهضت مبكرا لأسافر إلى المحلة، ثم أذهب إلى موقف الأوتوبيسات الذاهب إلى كفر الشيخ، لأستقل واحدا منها إلى تلك المدينة.

 

وقد كان، ووصلت إلى الموقف، فوجدت أحد الإخوة، وركبنا أتوبيسا آخر إلى قرية بجوار (سخا) وكان الحر شديدا، وجسمي يتصبب عرقا، ولكنا في عصر الشباب لم نكن نبالي بهذه المتاعب الصغيرة، بل لا نكاد نحس بها كما يحس الآخرون. وقد ألقيت الخطبة في القرية التي احتشدت لذلك، ثم كلمة قصيرة بعد الصلاة. ثم استأذنا في الانصراف، فلا مجال لضيافة، فنحن في رمضان، وقد طلب إليّ أهل القرية أن أبقى عندهم إلى الإفطار، فاعتذرت. وقد نسيت اسم هذه القرية، وهي تابعة لمركز كفر الشيخ.

 

وبعد ذلك قال لي الأخ المرافق: يمكنك أن تعود إلى كفر الشيخ، وتركب أوتوبيسا من هناك، إلى المحلة كما جئت، ويمكنك أن تمتطي قطار الدلتا من هنا، من سخا إلى المحلة مباشرة، قلت له: كم ثمن التذكرة من هنا إلى المحلة؟ فقال: نسأل عنها، ثم سأل، وقال لي: ثمنها ستة قروش. قلت: الحمد لله. ذلك أن كل ما كان معي من نقود هو ستة قروش ونصف. فقلت: أسافر إلى المحلة، ويقضي الله ما يشاء، فقد خرجت من البيت بكل ما أملك من النقود في ذلك الوقت.

 

وكان المفروض أن يرسل لي الإخوة من طنطا نفقات هذه الرحلة، فأنا طالب ولست موظفا، ويبدو أنهم اتكلوا على الإخوة في كفر الشيخ، والإخوة هناك اتكلوا عليهم، وضعت أنا في الوسط. فالأخ الذي رافقني من كفر الشيخ خالي الذهن تماما عن هذا الموضوع. وركبت قطار الدلتا من محطة (سخا) وهو قطار صغير بطيء، كان الناس يتندرون به، ويقولون: تستطيع أن تشير إليه فيقف لك!

 

وقد وصل القطار المتهادي إلى مدينة المحلة، قبيل الغروب بقليل، وكنت معتمدا ـ بعد الله تعالى ـ على قريب لي يسكن في المحلة لأفطر عنده، وآخذ منه أجرة سفري إلى صفط قريتي. وقد صحبني إلى بيته مرة واحدة، قبل ذلك، وعلامة البيت أنه قريب من مسجد التوبة.

 

وذهبت إلى هذا الحي، وعند مسجد التوبة، وذرعت المنطقة يمينا وشمالا، لأهتدي إلى البيت، أو أستدل عليه، فلم أوفق. وأذن المغرب، فلم أجد بدا من أن أذهب إلى المسجد لأصلي فيها المغرب، وأفطر على الماء.

ثم ذهبت بعد ذلك إلى دار الإخوان بالمحلة، وبعد قليل حضر عدد منهم، فرحبوا بي وطلبوا لي (الكازوزة) لأشرب، وعلام أشرب وبطني فارغ، ومعدتي خاوية؟ كدت أقول لهم: إنني لم أفطر بعد، ولكن منعني الحياء، وهو خلق فطري عندي.

 

وقد وصف الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان أشد حياء من العذراء في خدرها. فهذا الخلق المحمدي هو الذي حال بيني وبين مصارحة الإخوة بأني خالي البطن بعد يوم حافل بوعثاء السفر، وشدة الحر، ومتاعب الطريق، وهو الذي منعني أن أطلب من مرافقي في كفر الشيخ أن يقطع لي هو تذكرة السفر من سخا إلى المحلة كما تقتضيه الأصول، حتى لا أظهر بمظهر من يتكسب بالدعوة.

 

وحاولت أن أغالب حيائي وأطلب من الإخوة في شعبة المحلة أجرة السفر إلى صفط ـ وهي قرشان ـ فلم أستطع، وكان حيائي أقوى من حاجتي، ولم تكن صلتي بأحدهم وثيقة في ذلك الوقت. وودعت الإخوان، وخرجت إلى الطريق، عازما على أن أقطع مسافة أحد عشر كيلومترا ماشيا، إن لم أجد من يركبني معه احتسابا.

 

وفي منطقة تسمى (الشون) في أطراف المحلة، حاولت أن أجد من أصحاب السيارات من يركبني معه، وبخاصة أن لدي اجتماعا مهما في القرية بعد انتهاء صلاة التراويح. ولكن عرضت على سيارتين من سيارات النقل، فلم يستجيبا، ولاحظ أحد الرجال ذلك، وأنا ألبس الجبة والعمامة، فسألني: مالك لم تركب؟ قلت: بصراحة، ليس معي أجرة الركوب، قال: وما هي؟ قلت: قرشان. فقال: هاهما. فقلت له: جزاك الله خيرا، فقد نفّست كربتي.

 

وعدت إلى القرية، وأنا شديد الجوع، فكان أول ما فعلته أن آكل، ولكني كنت قوي العزم لحضور الاجتماع، فلم يؤثر في تعب النهار، ليحجزني عن عمل الليل. وكان الاجتماع مهما، وذلك للتشاور في تأسيس شعبة للإخوان في صفط تراب، وكان المفروض أن يكون ميلاد هذه الشعبة في تلك الليلة من شهر رمضان المبارك، ولكنها تأخرت لبعض الظروف، وقامت الشعبة بعد ذلك على كواهل عدد من شباب البلدة المخلصين، على رأسهم الشيخ عبد الستار نوير، ومعه الإخوة إبراهيم حبيب وغازي الزغلول، وأبو اليزيد عسقول، ومحمد الزكي، وبهجت الشناوي، وحمزة العزوني، وآخرون لا أذكر أسماءهم الآن.

 

وقد حوكم بعضهم بعد ذلك في عهد الثورة وحكم عليهم بالسجن سنوات متفاوتة، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين. وكانوا رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا.

 

محلة أبو علي:

في هذه المرحلة تعرفت على عدد من الإخوة من قرية (محلة أبو علي) المجاورة للمحلة الكبرى، كان أول هؤلاء الإخوة هو (مصباح محمد عبده) الذي كان زميلا لي في المعهد، وفي نفس السنة، وإن كان شافعي المذهب، وكان يتميز بالنكتة وخفة الروح، وسلامة الفطرة، والغيرة على الدعوة.

 

وقد دعاني الأخ مصباح لزيارة قريته، فذهبت إليها في إحدى إجازات الصيف، وحاضرت في شعبة الإخوان فيها، وألقيت خطبة الجمعة بالمسجد، وتعرفت على عدد من أهلها من شباب الإخوان، مثل: رمزي (أو طلبة) الدمنهوري، والسيد الغضبان، وحمدي شبند والسيد النفاض، وعلي عبد المقصود خفاجة، وعبد المجيد بقلوله وغيرهم. كما تعرفت على بعض الرجال الكبار في القرية أمثال الحاج عبد الغني الدمنهوري، والحاج محمد الغضبان، وغيرهما.

 

وقد انعقدت بيني وبين (محلة أبو علي) مودة عميقة، وصلة وثيقة، حتى أصبحت كأنها بلدتي الثانية، وأصبحت كثير الذهاب إليها، والمبيت فيها، وغدا يعرفني كبارها وصغارها، ورجالها ونساؤها، كأني واحد من أهلها.

 

محلة زياد:

ومن القرى التي زرتها مرارا أيضا، وكان لي صلة بأهلها: قرية (محلة زيّاد) من قرى مركز سمنود، وقد تعرفت فيها على عدد من الإخوة، منهم الرجل الفاضل الشيخ زكي النجار، الذي فتح لي داره، وأبى أن أبيت إلا عنده، كلما جئت إلى محلة زياد، وابنه الأخ الصالح المدرس الشاعر محمد زكي النجار، وكان رجلا نقي السريرة، محمود السيرة، عذب الشعر، ومما أذكر من شعره:

مجد الجدود عزيز أن نضيّعه * مستعبدين، وقد شادوه أحرارا

هيا بنا معشر الإخوان نرجعه * مهاجرين كما كانوا وأنصارا

وقد عرفت فيها الأخ الحبيب الشيخ عبد الوهاب الشاعر، وكان في المرحلة الابتدائية، والأخ مصطفى دراج، وبعض شباب الأزهر منهم الشيخ منصور الرفاعي عبيد.

 

السملاوية:

ومن القرى التي زرتها أكثر من مرة، ومكثت في كل زيارة عدة أيام: قرية (السملاوية) من قرى مركز السنطة، وهي قرية أخي وحبيبي ورفيقي في الدراسة والدعوة والمسكن: محمد الدمرداش سليمان مراد.

 

وقد تعرفت على عدد من أهل هذه القرية، منهم الحاج عبد الحليم أبو النصر المعلم المحبوب في القرية، والشاعر المطبوع، الذي ضاع شعره كما يضيع شعر كل شعراء القرى المغمورين والمنسيين، والشيخ أحمد عمارة المدرس المتصوف، والحاج أحمد عمارة التاجر الأمين، والأخ عبد العزيز أبو سعدة الفلاح المستنير، والأستاذ إبراهيم أبو سعدة المدرس، الذي أصهر إليه الأخ الدمرداش بعد ذلك، وتزوج ابنته.. وعدد آخر من الأفاضل أذكر صورهم ومواقفهم، وغابت عني أسماؤهم أو ألقابهم، ورحم الله شوقي إذ قال في سينيته:

 

اختلاف النهار والليل ينسي!

وكنا نسهر في منزل الأخ الدمرداش، ويجتمع هؤلاء الأحبة وغيرهم في أحاديث دينية وعلمية وأدبية وتاريخية، ومناقشات قد تسخن أحيانا.

ومن هذه المناقشات ما حدثناه أحد الحاضرين عن شيخه ولي الله الذي أخذ عليه البيعة، وعن فضائله وكراماته، ثم فاجأنا بقوله: ولكنه يتناول (الأفيون)!

قلت له: كيف يكون وليا لله، وهو يتناول هذا المخدِّر، وهو أخو الخمر، أو هو جزء منها، فالخمر كل ما خامر العقل، وقد نهى رسول الله عن كل مسكر ومفتر؟

قال: لعله يستعين به على قيام الليل وصلاة الأسحار؟

قلت له: هل يجوز الاستعانة بمحرم على طاعة هي نافلة؟

وهنا سكت الأخ، وقال: ولكن قلبي يحدثني أنه ولي لله؟

قلت له: وهل تأخذ أحكام الشرع من حديث قلبك أم من وحي ربك؟

قال: بل من وحي ربي.

قلت له: وحي ربك يحرم هذا، ولا يجيز اتباع من يرتكب مثل هذا، فإنه لا يؤمن على تربية الناس وهدايتهم إلى الله، وفاقد الشيء لا يعطيه، وقد ضل من كانت العميان تهديه!

 

الفرستق وبسيون:

ومن القرى التي زرتها أكثر من مرة: قرية (الفرستق) بالتاء لا بالدال، وهي قرية أخي الحبيب ورفيق دربي أحمد محمد العسال، وهي من قرى مركز بيسون، وتقع على شاطئ فرع النيل الغربي (فرع رشيد) وتقابلها على الجانب الآخر في مديرية البحيرة: قرية (نكلا العنب) التي أنجبت الشيخ الغزالي، فهذه أنجبت العسال، وتلك أنجبت الغزالي. وقرية (الفرستق) تقع بالقرب من قرية (القضابة) وكان بها عدد من الإخوة عبد المجيد الخلالي ومحمد الحشاش وأخوه عبد الفتاح الحشاش.

 

وهذه كلها تابعة لبسيون التي كان لي فيها صولات وجولات، وزيارات تلو زيارات، وقد توثقت الصلة مع رئيس الإخوان فيها الحاج أحمد البس، وكان رجلا مربيا مجمعا، تلتقي عليه القلوب، لبشاشة وجهه، وحلاوة حديثه، وحسن تصرفه. وكان معه عدد من الإخوة الأفاضل أذكر منهم الحاج إبراهيم الباجوري التاجر. كما تعرفت على عدد من طلاب الثانوي الغيورين الوعاة المتوثبين، أذكر منهم الطالب جمال بدوي، الكاتب المعروف اليوم، الذي رأس تحرير (الوفد) عدة سنين.

 

الشيخ البهي الخولي:

ومن أهم من تعرفت عليه في المرحلة الثانوية، واتصلت به عن قرب، واستفدت من حلقاته ومجالسه، والتقطت من لآلئه وجواهره: شيخنا الداعية الكبير البهي الخولي، الذي عرفته في المعهد الابتدائي مدرسا للمحفوظات التي حوّل حصتها إلى ثقافة ودعوة، ولمادة الجغرافيا التي كان يتقن رسم خرائطها، وأنا لا أتقنه.

 

كان الشيخ البهي هو المسؤول عن نشر الدعوة في مديرية الغربية، أو بتعبير الإخوان: في المكتب الإداري، فقد قسم الإخوان القطر المصري ـ حسب تقسيمه الإداري ـ إلى مكاتب إدارية، في كل مديرية (مكتب)، وتحت كل مكتب (مناطق) في كل مركز إداري (منطقة) وتحت كل منطقة (مراكز جهاد) يضم كل مركز عدة قرى، وفي كل قرية (شعبة) للإخوان.

 

فكان الأستاذ البهي رجل الدعوة الأول في مكتب إداري الغربية، وكان يقدم المحاضرات في دار الإخوان، بين فترة وأخرى. ثم ضم هذه المحاضرات ونشرها في كتاب قيم فريد في بابه سماه: "تذكرة الدعاة" قدّم له الأستاذ حسن البنا المرشد العام للإخوان، واعتبره من "رسائل الإخوان المسلمين".

 

ولا يزال كتاب "تذكرة الدعاة" رغم تقادم العهد، يحتفظ بأصالته وحيويته، ويسد ثغرة في مجال الدعوة إلى الله، مكتوبة بقلم داعية، عاش الدعوة بعقله وقلبه، بفكره وعواطفه وسلوكه، وزامل مؤسسها في "دار العلوم" وبايعه على العمل بها، والعمل لها، منذ مدة طويلة.

 

وللأستاذ البهي جملة من الكتب أصيلة في بابها، مثل: "آدم عليه السلام" و"الثروة في ظل الإسلام"، و"المرأة بين البيت والمجتمع" الذي ألفه بتكليف من المرشد الثاني للإخوان الأستاذ حسن الهضيبي، واعتبر كذلك من "رسائل الإخوان". ثم وسعه وطوره وسماه: "الإسلام وقضايا المرأة المعاصرة". وللشيخ البهي وقفات عميقة مع القرآن، لم تجمع في كتاب، لعلها منثورة في أوارق مختلفة، ليت أبناءه يعنون بها، ويكلفون أحد الشباب بالبحث عنها وإخراجها ونشرها، أو نشر ما يصلح للنشر منها.

 

كما أن له ذوقا روحيا متميزا، في النظر إلى (التصوف) واستخراج اللآلئ من بحاره العميقة. ولقد تجلى ذلك فيما كتبه عن بعض الرجال الربانيين في مجلة "المسلمون" التي كان يصدرها تلميذه النجيب الداعية الشهير: "سعيد رمضان" في باب (مع العارفين)، وقد كتب فيها عن الإمام الممتحن "أحمد بن حنبل"، وعن "عتبة الغلام" وغيرهما، وإن لم يوقع عليها باسمه.

 

كتيبة الذبيح:

ولقد فكر الأستاذ البهي أن يصطفي نخبة من خيرة شباب الإخوان، يدنيهم منه، ويربيهم في مدرسته، ويلقنهم فكره وذوقه، ويأخذهم بعزائم السلوك، فقد أكد رجال التربية الروحية حاجة المريد إلى شيخ يأخذ عنه، ويقتبس من نوره، وأن صحبة الشيخ لا يغني عن قراءة الكتب، حتى قال بعضهم: من لا شيخ له فشيخه الشيطان. وقد اختار الشيخ لهذه المجموعة اسم (كتيبة الذبيح).

 

ويراد بالذبيح: سيدنا إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، والذي رفع قواعد البيت مع أبيه إبراهيم الخليل، وقد ذكر لنا القرآن الكريم في سورة الصافات قصته مع أبيه بعد أن بلغ معه السعي، وأضحى يرتجى منه ما يرتجى من الشباب في معاونة أبيه.

 

فجاء الامتحان الإلهي البليغ للأب الذي بلغ به اليقين أن ضحى بولده وفلذة كبده، امتثالا لإشارة الوحي من ربه، وللابن الذي بلغ به اليقين أن قدّم عنقه، طاعة لأمر ربه، ولم يتلكأ أو يتردد، بل كان كما قال القرآن: "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ" (الصافات: 102).

 

يقول الشيخ البهي، وهو يشرح لنا القصة في أول جلسة: انظر إلى الابن كيف قال لأبيه، وقد عرض عليه ذبحه: (يا أبت افعل ما تؤمر) ولم يقل: افعل (بي) ما تؤمر، فكأنما غاب عن نفسه، وفني عن ذاته، وقال لأبيه: نفذ ما عندك من أوامر الله، ولن تجد مني إلا الطاعة والصبر على أمر الله. ولم يفعل ذلك ادعاء للشجاعة والبطولة، بل وكّل الأمر إلى الله يسدده ويشد أزره، حين قال: (ستجدني إن شاء الله من الصابرين).

 

اختار الأستاذ البهي أكثر هذه النخبة من طلاب المعهد الديني، وأقلهم من طلاب المدرسة الثانوية، وأذكر من هذه النخبة: الإخوة: أحمد العسال، ومحمد الصفطاوي، ومحمد الدمرداش مراد، وعبد العظيم الديب، وعبد الوهاب البتانوني، ومحمد وعبد الفتاح الحشاش، من أبناء الأزهر، وعبد المنعم عثمان، وسعيد شنا، وكمال العريان من الثانوية، وآخرين لا أذكرهم الآن.

 

كان موعد اللقاء قبيل فجر الإثنين ـ على ما أذكر ـ من كل أسبوع، وفي بيت الأستاذ، نصلي معه الفجر، ثم نجلس في حلقتنا الروحية، التي يحلق بنا فيها إلى أجواء ربانية عالية، فنحس بأننا نشف ونصفو حتى نكاد نطير بلا أجنحة.

 

وكنت -على فطرتي وطريقتي- أناقش وأسأل في كل ما لا يقتنع به عقل، أو يطمئن إليه قلبي، فطرة فطرني الله عليها، وأعتقد أنها نعمة من الله عليّ، بجوار نعمه التي لا تعد ولا تحصى. وقد ظن الشيخ البهي رحمه الله أن لي موقفا مضادا من التصوف وأهله، ثم فوجئ بكتابيّ: "العبادة في الإسلام" و"الإيمان والحياة" فوجد فيهما نزعة ربانية أصيلة، وقال لي بعد أن أهديتهما له: كيف خبأت عنا هذه الروحانية العميقة بمناقشاتك القديمة، التي جعلتنا نفهمك على غير حقيقتك؟

 

قلت له: يا فضيلة الأستاذ، المناقشة جزء من كياني، وربما يضيق بها الصوفية الذين يقولون: من قال لشيخه: لِم؟ لم يفلح، ويقولون: المريد بين يد الشيخ كالميت بين يد الغاسل، ولكني تلميذك الأمين فيما قررته في كتابك الفريد "تذكرة الدعاة" عن (الروحانية الاجتماعية)، فأنا مع (الربانية) ولست مع (الرهبانية) كما قال الشيخ أبو الحسن الندوي.