وقد كان في معهد طنطا شيوخ مبرّزون في علمهم وطريقة تدريسهم، كانت لهم شهرة واسعة، وسمعة حسنة بين طلابهم، تمنيت أن أكون تلميذا لهم ولو في سنة واحدة من سنوات الدراسة الخمس، ولكني لم أحظَ بذلك.

 

من هؤلاء: الشيخ عبد الباسط سليم، الذي كان يدرس الفقه الحنفي، بطريقة حية يجذب الطلاب إليه، وتحبب إليهم الفقه على جفافه. وكان يحدثني عنه زميلي في السكن "كمال عبد المجيد المصري"، الذي كان يسبقني بثلاث سنوات. ولكن القدر لم يُتِحْ لي هذه الفرصة.

 

ومن هؤلاء: الشيخ فوزي خشبة مدرس الأدب العربي المحبوب من طلبته، وذو التأثير القوي فيهم، والذي كان يقارن بأساتذة الأدب العربي في الكليات الجامعية، وكان رجلا جادا مهيبا رغم لطفه ودماثته، وذا عبارات ساخرة يحفظها طلابه. وكان يهتم بمادة (الإنشاء) ويدفع طلابه دفعا إلى إتقان الكتابة، والتفنن فيها، ويعلق على بعض الطلاب بعبارات مشجعة حينا، ولائمة أحيانا، مثل: "وضعت رجلك على أول الطريق، فسر على بركة الله"، أو: "بينك وبين الإنشاء مراحل ومراحل". أو: "أنت مشرق وموضوعك مغرب"... إلخ.

 

ولم أرَ الشيخ فوزي خشبة إلا في حصة إضافية، كان مدرسنا فيها غائبا، وكانت حصة "محفوظات"، ودائما كانت حصص المحفوظات للراحة، فكيف إذا كانت حصة إضافية؟!

ولكن الشيخ خشبة رجل ملتزم لا يسمح لنفسه إلا أن يعطي كل شيء حقه؛ فهذه مسؤولية أمام ربه، وأمام ضميره، ولا ينبغي له أن يضيع وقت الطلاب سدى، دون أن يستفاد منه في علم أو أدب.

 

ولهذا فبمجرد أن دخل الفصل مسح السبورة، وبدأ يكتب عليها شعرا لابن زيدون الشاعر الأندلسي الشهير، فيما كان بينه وبين ولادة بنت المستكفي. وطلب منا أن نتابع هذه الأبيات وراءه، ونجتهد في حفظها أثناء كتابتها. وهي أبيات ثلاثة ما أسرع ما تُحفظ، وهي التي تقول:

بيني وبينك ما لو شئت لـم يَضع

 سرٌّ إذا ذاعـت الأسرارُ لـم يذع

يا بائعا حـظَّه مـني، ولـو بُذلت

 ليَ الـحياة بخطي مـنه لـم أبع

ته أحتمل، واستطل أصبر، وعِزّ أهُن

 وولِّ أقبلْ، وقل أسمع، ومر أطع

 

وبعد كتابتها قدمها لنا بحديث عما كان بين ابن زيدون وولادة من حب سارت به الركبان، وما كان بينهما من مودة ووصال حينًا، وجفوة وهجران حينًا آخر، كما حدثنا عن المعاني التي تحتويها هذه الأبيات القصيرة. ثم سأل: هل منكم من حفظ هذه الأبيات؟ وذلك بعد أن كان مسحها من السبورة، فرفعت يدي، وسمَّعتها، وهي يسيرة. وسأل عدة طلاب، منهم من حفظ بيتين، ومنهم حفظ بيتا واحدا، ولم يوجد من حفظ البيت الأخير غيري، وهو الذي يشتمل على اثني عشر فعلا ما بين فعل أمر وفعل مضارع.

 

ثم وجد في الوقت سعة، فأعطانا قطعة أخرى في نفس الموضوع لابن زيدون، وهي التي يقول فيها:

ودّع الصبر محب ودعك

 ذائع من سره ما استودعك

يقرع السن على أن لم يكن

 زاد في تلك الخُطا إذ شيّعك

يا أخـا البدر سناء وسنا

 رحـم الله زمـانا أطـلعك

إن يطُل بعدك ليلٌ، فـلكمْ

 بتُّ أشكو قِصَرَ الليل معـك

وقد حفظت هذه الأبيات كما حفظت تلك، من حصة الشيخ خشبة الإضافية في مادة (المحفوظات) التي لم يكن أكثر المشايخ يعيرونها أي التفات.

 

أماني وأحلام للطلبة.. سأكون شيخ الأزهر

من الطرائف التي أذكرها: أن جاءنا أحد المشايخ ونحن في السنة الأولى الثانوية، في حصة إضافية، وكان شيخا ظريفا صاحب نكتة، فأراد أن يتسلى مع الطلاب، فقال: أريد من كل طالب منكم أن يذكر أمنيته التي يريد أن يحققها في حياته، وفي مستقبل أيامه: ماذا يريد أن يكون؟

 

وطفق الطلبة في الفصل يذكر كل منهم ما يريد أن يكون في مستقبل حياته، فقال أحدهم: أريد أن أكون ضابطا في الجيش. وقال له الشيخ: ستكون إن شاء الله خفيرا حارسا على مقابر الموتى. وقال أحد الطلاب: أريد أن أكون مدرسا في ثانوي الأزهر، مثل فضيلة الشيخ. وقال الشيخ: ستكون معلم كتاب في قريتكم!

حتى جاء عندي وقال لي: وأنت ماذا تريد؟ قلت له: اسمح لي يا فضيلة الشيخ أن أصارحك بما أريد، إني أريد أن أكون شيخا للأزهر!

وتوقع الطلاب أن يعلق الشيخ الساخر على طريقته، وخصوصا مع غرابة الأمنية، ولكنه فاجأ الجميع بقوله: لا تستبعدوا هذا يا أولاد. فكم من أمل كبير قد تحقق، وكم من حلم بعيد أصبح حقيقة. وفي التاريخ وفي الواقع أمثلة كثيرة لأناس حلموا أحلاما ظنها الناس شطحات الخيال، أو من توقعات المحال، اجتهد أصحابها وجاهدوا حتى وصلوا إليها.

 

وقد سألني الأخ عبد العزيز السيد المذيع بتلفزيون دولة قطر، وقد كان يسجل معي ذكرياتي عن مسيرة الحياة، وجاء ذكر هذه الواقعة، فقال لي: وهل لا تزال هذه الأمنية واردة؟ قلت له: أولا، قد فات الأوان من ناحية، فأنا في الخامسة والسبعين من عمري، ومن ناحية ثانية، لم يعد شيخ الأزهر وحده قادرا على تحقيق ما يريده من إصلاح وتجديد، حتى تسانده الدولة، أو على الأقل تطلق يده.. ومن لمثلي بهذا؟

 

أسفار مجانية.. وكلمة السر: يحيا الملك

اعتاد طلاب المعهد الديني ما بين حين وآخر، أن يسافروا إلى القاهرة ـ وربما إلى الإسكندرية ـ (مجّانا) في مناسبات ملكية معينة، مثل عيد الميلاد الملكي أو عيد الجلوس الملكي، أو نحو ذلك، وإذا طلب منهم التذاكر لاذوا بهتاف: (يحيا الملك) فلا يملك الكمسارية في القطار أن يصنعوا معهم شيئا. وأصبحت هذه (الأسفار المجانية) كأنما هي حق مكتسب لهم.

 

إلى الإسكندرية:

وأذكر أول مرة شاركت فيها في هذا النوع من الأسفار، كانت رحلة إلى الإسكندرية، بمناسبة زيارة الملك عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية إلى الإسكندرية، وكان طلبة الأزهر يكنون مشاعر مودة وتقدير لابن سعود، لما شاع عنه أنه كان يطبق أحكام الشريعة السمحة، ويقيم الحدود، ويحكم بالكتاب والسنة. ولهذا سافرنا إلى عروس البحر الأبيض الإسكندرية، لنستقبل ابن سعود، ونتفسح في هذه المدينة مع ذلك.

 

وقد كنت أعددت قصيدي كان طلاب المعهد ينشدونها، ويهتفون ببعض أبياتها، أذكر منها:

وقد بتنا هناك في القسم الداخلي مع زملائنا طلبة المعهد الديني الابتدائي في (القَبَّاري)، وقد وسعونا على رغم ضيق المكان، ولكن الشاعر العربي يقول:

مـلائكة تلـك أم أنبياء؟      أم ابن سعود إلى مصر جاء؟

فأهلا وسهلا بأكرم ضيف  ويا مـرحبا بالسنا والسناء!

ومنها:

نيويورك مـن مكة ذرةٌ      ولندن مـن طيبة كـالهباء

فمن طيبة شع نور الهدى   ومن لندنٍ شاع سفك الدماء

 

وقد بتنا هناك في القسم الداخلي مع زملائنا طلبة المعهد الديني الابتدائي في (القَبَّاري)، وقد وسعونا على رغم ضيق المكان، ولكن الشاعر العربي يقول

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها  ولكن أخلاق الرجال تضيق!

وزرنا في صبيحة اليوم التالي إخواننا في المعهد الثانوي برأس التين، وقضينا يومين في الإسكندرية، وعدنا بحول الله وحفظه.

 

إلى القصاصين:

ومن الرحلات المجانية التي أذكرها؛ لأنها كانت رحلة متعبة: رحلة الطلبة إلى (القصاصين). وهي قرية بمديرية الشرقية، بجوار (القُرين) كان قد حدث للملك فاروق فيها حادث، دخل على إثره المستشفى هناك. وذهب الطلبة هناك لإشعار الملك أن الشعب معه وأنه حريص على سلامته. وقد اشتهر الملك فاروق في أول عهده بالاستقامة، بتأثير الشيخ المراغي عليه، حتى كان الهتاف السائد بين الشعب المصري: عاش الملك الصالح. وظل على ذلك عدة سنين، حتى أغواه الغاوون، ووسوس له الخناسون، وأحاطت به بطانة السوء، التي تغريه بالمنكر، وتحضه عليه، وهيهات أن يُعصم إلا من عصمه الله.

 

وكنا نحن الطلاب لا نزال نحسن الظن بالملك، فلم تكن رائحته فاحت، ولا سمعته ساءت، إلى الحد الذي يعلم به أمثالنا، فذهبنا بحسن نية، لنعود الملك، ونسأل عن صحته، وندعو له أن يقوم بالسلامة مما أصابه. وكان زعيم الطلبة في المعهد إبراهيم عبد الحي يردد هتافا أنشأه يقول: طنطا ومعهدها الأمين   تفدي أمير المؤمنين

ولم نكن ندري أن وراء الحادثة التي أصابت الملك تصرفات منحرفة، ذكرت فيما بعد، ولكن لكل امرئ ما نوى.

 

ركبنا القطار من طنطا إلى الزقازيق، ثم ركبنا قطارا آخر من الزقازيق إلى قرية القصاصين، وفي القرية سرنا على أقدامنا مسافة غير قليلة، ولم نصل إلى المستشفى المقصود، فالمنطقة عسكرية، وهناك حدود وقيود. وقالوا: سنبلغ الملك بقدومكم وبتحياتكم.

ورجعنا ـ كما ذهبنا ـ في وقت متأخر. وبعد أن أخذ الجوع منا مأخذه، فكثير منا لا يحمل معه من النقود ما يكفي، إلا لسندوتش لا يشبع، ولكن الجوعان يجزيه من الزاد أيسره.

 

إلى القاهرة:

أما التي سافرنا إليها أكثر من مرة ـ ضمن هذه الأسفار المجانية ـ فهي القاهرة، وخصوصا في ميلاد الملك في 11 فبراير، فهو يأتي في أثناء العام الدراسي، وبعد أن نكون قد قطعنا شوطا طيبا في الدراسة.

وكنا ـ نحن طلبة الإخوان ـ ننتهز فرصة هذا السفر، لنزور المركز العام للإخوان، ونحرص على لقاء الأستاذ البنا، وحضور بعض أنشطة الإخوان.

 

في وداع الشيخ مصطفى عبد الرازق:

وإحدى هذه السفرات المجانية كانت بمناسبة وفاة شيخ الأزهر الشيخ مصطفى عبد الرازق، شيخ مؤرخي الفلسفة الإسلامية، والذي خلف الإمام المراغي، ولم يطل العهد به في المشيخة، فقد بقي أقل من سنتين.

وقد سافرنا إلى القاهرة، وأدركنا جنازته، وتكلم المشايخ الكبار، وقدم الطلاب واحدا منهم ليتكلم باسمهم، فكنت ذلك الواحد، برغم أن هناك عددا من طلاب الكليات، ووفقني الله لإلقاء كلمة مركزة نالت استحسان الحاضرين. وعدنا في نفس اليوم إلى طنطا. وكان الأخ محمد الدمرداش رفيقي في هذه الرحلة، بل في معظم الرحلات.

 

في تهنئة الشيخ مأمون الشناوي:

وجاءت مناسبة أخرى للسفر إلى القاهرة في تهنئة شيخ الأزهر الجديد الشيخ مأمون الشناوي، وكنت كلما سافرت إلى القاهرة، انتهزت الفرصة للذهاب إلى المركز العام للإخوان، ومحاولة اللقاء بالشيخ البنا، وقلما يسعفني القدر أن أجده، فقد كان دائم التجوال في أرجاء مصر.

 

وكان مما يقلقني في هذه الأسفار: مسألة المبيت، فالمبيت في الفنادق يكلف المرء كثيرا، وحسب الإنسان أن يوفر معه ما يأكل به ما رخص من الطعام، من الفول والطعمية والحلاوة الطحينية ونحوها. فكنا نبحث عمن نجد عنده سعة لمبيت أمثالنا من الطلاب.

 

وأذكر في إحدى المرات، كنا مجموعة من طلبة الإخوان بعضنا من طنطا، وبعضنا من شبين الكوم، وقد خرجنا من المركز العام، وقيل لنا: إن في شعبة السكاكيني مكانا للنوم، وقطعنا المسافة من الحلمية إلى السكاكيني على أقدامنا، فكانت المفاجأة أن وجدنا الشعبة مغلقة، ولا يوجد بها أحد يفتح لنا. وكان فينا الطالب إبراهيم سعفان من معهد شبين، وكان طالبا ظريفا خفيف الروح، هوّن علينا المشي بنكاته وتعليقاته اللطيفة، وقد صار بعد ذلك من نجوم (الكوميديا) في مصر.

 

وأذكر أننا في إحدى الزيارات وجدنا الإمام البنا، وكنا مجموعة من طلاب الأزهر، وطلبنا إليه أن يجلس إلينا، ولكنه قال لنا بأدب: كان يسعدني أن أجلس معكم، وأتحدث إليكم، ولكني للأسف مرتبط بموعد آخر، ولكني سأنيب بعض الإخوان ليجلس إليكم، ونادي الشيخ أحمد الباقوري لينوب عنه في الجلوس والحديث، وجلسنا معه جلسة طيبة، ولكنها لم تكن التي ننشدها، ولم نجد فيها ما يروي ظمأنا. وأذكر أننا أخذنا صورة على سلم المركز العام مع الإمام الشهيد، ولا أدري: أيحتفظ أحد بهذه الصورة أم لا؟ فليس لي مع الإمام غير هذه الصورة.

 

وفي هذا اليوم استمعت إلى داعية من دعاة الإخوان المرموقين لأول مرة، ذلكم هو الشاب الأزهري الخطيب البليغ، صاحب الصوت المؤثر، واللسان المعبر، الشيخ عبد المعز عبد الستار، سمعته يتحدث في فناء شركة المعاملات الإسلامية في شارع محمد علي، وكان في استقبال بعض الوفود العربية، وبعض الأحزاب التي ائتلفت فيما بينها، وتوحدت (حزبي النجادة والفتوّة) وكان الشيخ يتحدث عن أهمية الوحدة، والتأليف بين القلوب، ويستشهد بقول الله تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصَارِ" (النور: 43) استمعت إلى الشيخ عبد المعز ولكن لم يتح لي أن أصافحه أو أتعرف عليه وجها لوجه، إلا في معتقل الطور.

 

وفي هذه السفرة ـ على ما أذكر ـ عرفت من بعض الإخوان في القاهرة أن شبعة السيدة عائشة في القلعة، تحتفل بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وسيتكلم فيها بعض الدعاة منهم: عز الدين إبراهيم، والشيخ صادق حميدة، وذهبت إلى شعبة السيدة عائشة وحضرت هذا الحفل، الذي تكلم فيه أكثر من واحد، ومنهم الشيخ حميدة الذي كان له نزعة صوفية ظاهرة.

 

ثم استمعت إلى عز الدين إبراهيم يتحدث عن واجبنا نحو السيرة النبوية، حديثا جديدا، كان فيه موثّق العلم، مرتب الفكر، سليم الأداء، يملك رؤية واضحة للسيرة النبوية وخصوصا قصص المولد النبوي التي تعرض على الناس في المساجد، وقد تقرأ في البيوت، وضرورة تصفيتها من هذه الشوائب التي لا تتفق مع قرآن ولا سنة، وعرض السيرة السليمة التي تتخذ منها الأسوة المحمدية، ويقتبس الناس من دروسها النيرة ما ينفعهم ويرقى بهم في دينهم ودنياهم.

 

وكان أهم ما اكتسبت من هذا الحفل اكتشافي هذا الداعية المعلم والمصلح، وإن لم تتح لي فرصة للتعرف به في تلك الليلة، لتزاحم الحضور عليه، ولأني غريب ومغمور لا يعرفني أحد، أو يهتم لي. كما كنت متعجلا لأبحث عمن يستضيفني لأبيت عنده تلك الليلة، فهذا ما كان يهمني ويشغلني طوال مقامي في القاهرة.

لكني التقيت مع عز الدين وتعارفنا وتقاربنا في معتقل العامرية في يناير 1954، ثم نُقلنا معا من العامرية إلى السجن الحربي، وبقينا به حتى الإفراج في أواخر مارس. ثم زادت الصلة توثقا في قطر بعد ذلك.

 

وفي هذه المرة على ما أذكر، سعدنا بزيارة المحدث الجليل الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا، والد الأستاذ حسن البنا في حارة الروم بالغورية، وكان معي الأخ الدمرداش، وحدثنا عن عمله الكبير في موسوعته الفريدة التي يعمل فيها منذ سنين، وهي ترتيب مسند الإمام أحمد على الموضوعات، وشرحه وتخريج أحاديثه، والذي سماه (الفتح الرباني) وهو عمل تنوء بمثله المجامع، وقد عاش له الرجل حتى أنجزه، وبدأ بطبعه على نفقته، كما رتب مسند الشافعي والسنن، ومسند أبي داود الطيالسي وغيرها من الكتب. وعاش الرجل للحديث وعلومه، وإن كان ظل يكسب عيشه من إصلاح الساعات، وقد مهر فيها وأتقنها، حتى غدا مشهورا بها ويلقب بـ (الساعاتي).

 

زعامة المعهد..لأول مرة زعيم للطلبة يحترمه الشيوخ

كان الطلبة ـ ولا يزالون ـ صوت الأمة الحي، والمعبر عن إرادتها وحيويتها، ولا سيما في أوقات الأزمات التي تحيط بالوطن، والأخطار التي تحدق به، وهم الذين يقودون الرأي العام الوطني، في مواجهة الاستعمار، وذلك لأسباب ثلاثة تتوافر في الطلبة دون غيرهم:

الأول: أن الطلبة شباب، والشباب يتميزون بالمشاعر الثورية، والعزائم الفتية، والنفوس الأبية.

والثاني: أنهم ـ لأنهم على حظ من التعليم ـ أكثر وعيا بقضايا وطنهم وأمتهم.

والثالث: أنهم مجتمعون في مكان واحد، وتجمعهم يمنحهم قوة وقدرة على الحركة والتأثير.

 

ولكن جماهير الطلبة إنما تحركهم في العادة الزعامات الطلابية القادرة على مخاطبة (العقل الجمعي) للطلاب، وإثارة مشاعرهم، وتنبيههم إذا غفلوا، وتحريكهم إذا سكنوا.

وقد كان المعهد الديني في طنطا هو المؤسسة الطلابية الأولى، التي يتحرك طلابها في كل قضايا مصر والعروبة والإسلام، لا ينافسها في ذلك إلا مدرسة طنطا الثانوية بنين.

 

وقد كان للمعهد زعامات من طلابه قادتهم في السنوات الماضية، كنا نردد أسماءهم ونحن في الابتدائي، مثل المصري والفوال، وبعضهم عرفناه في الثانوي مثل محمد الشيخ، وإبراهيم عبد الحي. وكلما تخرج أحد هؤلاء، وارتحل إلى التعليم العالي، خلفه آخر، يرشحه الطلبة أنفسهم؛ فالزعامة الطلابية تنبع من الطلبة أنفسهم، ولا يستطيع أحد أن يفرض عليهم زعامة لا يريدونها.

 

وقد كان من فضل الله تعالى عليَّ أن رشحني طلاب المعهد بكامل حريتهم وإرادتهم لقيادتهم والتعبير عنهم، وقد أتاني الله القدرة على خطاب الجماهير وتحريكهم بمثيرات الشعر والنثر. ومعي من الأعوان الأقوياء الأمناء أمثال العسال والصفطاوي والعراقي وغيرهم ما يمكنني من ذلك، وقد استمر ذلك طوال السنتين الثالثة والرابعة، وجزء من السنة الخامسة الثانوية، حتى كان حل الإخوان وبداية اعتقالهم منذ ديسمبر 1948م.

 

ولقد كان المعتاد في زعامات الطلاب ألا يكونوا من الطلاب المتفوقين في العلم، فالطلبة يحبونهم، والشيوخ لا يحترمونهم. لهذا كان من الغريب أن تنتهي زعامة المعهد إلى قيادة ليست كل ميزتها القدرة على الإثارة والتحريك، بل قيادة محبوبة من الطلاب، محترمة لدى المشايخ، لتفوقها في العلم والسلوك باعتراف الجميع.

 

ولقد قام المعهد بدوره المعهود والمرجو في القضايا الوطنية والعربية والإسلامية، ولا سيما قضية وادي النيل وقضية فلسطين، دون أن يتورط فيما تورط فيه إخوة من قبل من التكسير والتحطيم للمعهد، الذي كان موضع القيل والقال.

 

مطالب الأزهريين.. أحلام الأمس حقائق اليوم

ومن الأمور التي شغلت تفكيرنا ـ نحن طلاب المرحلة الثانوية في المعاهد الدينية ـ مطالب شباب الأزهر في التطوير والإصلاح، والنهوض بمستقبل الأزهر.

وكنا ـ نحن الطلاب الذين يعتبرنا إخواننا زعماء المعاهد الإقليميةـ نعقد المؤتمرات فيما بيننا لبحث هذه المطالب وإيضاحها، والإرسال بها إلى مشيخة الأزهر، وإعلانها على إخواننا الطلاب. وقد عقدنا أكثر من جلسة لذلك، أذكر منها مرة في طنطا برئاستي، ومرة في شبين الكوم برئاسة زعيم معهدها الأخ عبد المنعم الدغيدي.

 

وكان لنا مطالب كثيرة، منها:

1- إدخال اللغة الإنجليزية في مناهج المعاهد الأزهرية.

2- تطوير مناهج العلوم الدينية والعربية بما يتلاءم وروح العصر.

3- فتح باب الدراسات العليا للمتفوقين من طلبة الأزهر، وتعيينهم معيدين في كلياتهم.

4- قبول الطلبة الأزهريين في الكليات العسكرية (الحربية والشرطة).

5- التوسع في إنشاء المعاهد الدينية في عواصم المديريات.

6- إنشاء معاهد للفتيات المسلمات، ليكُنَّ نواة لجامعة الأزهر للبنات إلى مطالب أخرى لا تحضرني الآن.

 

وقد أعلنا هذا على طلاب المعاهد، وبعثنا بمذكرة إلى المشيخة تتضمن هذه المطالب. وكانت في ذلك الوقت تعتبر من الأماني والأحلام البعيدة المنال، ولكن من سار على الدرب وصل، وما ضاع حق وراءه مطالب، والزمن جزء من العلاج.

وقد عشنا حتى رأينا هذه المطالب حقيقة واقعة ، فيما عدا المطلب الثاني الذي لم يتحقق بعد كما يراد .