تداول الأيام: اليوم الوفد وغدًا السعديون

في المرحلة الثانوية كان قد تغير الحكم في مصر، وذهبت حكومة الوفد التي عادت الأزهريين، أو عاداها الأزهريون، والتي أدخلت عددا منهم السجون، وقدمتهم للمحاكمات؛ فلا عجب أن تنفس أبناء الأزهر الصعداء، ورحبوا بالعهد الجديد، الذي اعتبروه عهد حرية وتمكين لهم، بعد سقوط العهد الذي عدوه عهد اضطهاد واستضعاف لهم، وهكذا الدهر يومان: يوم لك، ويوم عليك، والناس يقولون: دوام الحال من المحال. والقرآن يقرر هذه السنة الماضية حين يقول: "وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهًا بَيْنَ النَّاسِ" (آل عمران: 140).

 

ومن هنا تغيرت مشيخة المعهد وإدارته؛ فذهب الشيخ عبد الحفيظ الدفتار المحسوب على حكومة الوفد، وجاء الشيخ محمد الجهني شيخًا للمعهد. وكان شيوخ المعاهد في ذلك الزمن لهم مهابة في صدور الناس، وكان شيخ المعهد في طنطا يجلس بجوار مدير المديرية.

 

احتفل طلاب المعهد بشيخهم الجديد، وأقاموا له احتفالا واقفا في ساحة المعهد (أي بغير كراسي). وتحدث فيه الخطباء والشعراء من الشيوخ والطلاب، وتحدث الشيخ الجهني بكلمة قصيرة ختمها بقول شاعر الحماسة، مخاطبا الخصوم:

ملـكنا فكان الـعفو منا سجية

 فلما مـلكتم سـال بالـدم أبطحُ

وحللتمو قتل الأسارى، وطالما

 مررنا على الأسرى نمنُّ ونصفحُ

فـحسبكمو هـذا التفاوت بيننا

 وكـل إناء بالـذي فـيه ينضحُ

 

وألقى الطالب "محمد عبد الحليم الشيخ" زعيم طلبة المعهد قصيدة جاء فيها:

جاء نصرُ اللهِ والفتحُ المبينُ

 وانقضى الظلمُ على مرِّ السنين

واستعادَ الـشعبُ حـرياته

 لا قتيل، لا جـريح، لا سجين

 

وقرت أعين الطلاب بالجو الجديد، الذي لم يعد فيه الطلاب يتجسس بعضهم على بعض، أو يكيد بعضهم لبعض، أو يتربص بعضهم ببعض، كما في عهد التضييق السابق، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

حصلت على الشهادة الابتدائية، وتأهلت لدخول المرحلة الثانوية بالمعهد. والمعهد الثانوي مقره بجوار محطة سكة حديد طنطا، فقد بُني أساسا ليكون معهدا، بخلاف المعهد الابتدائي، فإنه مبنى مستأجر. ولا يزال هذا المعهد قائمًا إلى اليوم.

وقد نضجت السن الآن لأتمم الثامنة عشرة، واتسعت قراءاتي أكثر من ذي قبل، واشتهرت بقول الشعر بين الطلاب، ودخلت المرحلة الجديدة، وأنا متهيئ لها بحمد الله عقليا ونفسيا.

 

كان طلاب كل سنة في المعهد يقسمون إلى فصول، كل فصل فيه نحو أربعين أو خمسين طالبا. وكان نصيبي في الفصل السادس، إذ الشافعية من الطلبة -وهم الأكثر عددًا في الوجه البحري- حصلوا على الصفوف الثلاثة الأولى، ثم الأحناف حصلوا على صفين ونصف، والنصف الثاني من المالكية. فكان صفي نصفه من الحنفية وأنا في حرف الياء في آخرهم أو قبل الآخر بواحد، ثم يأتي المالكية من الطلبة ومعظمهم من طلبة معهد دسوق الابتدائي، أو مركز كفر الزيات، التي فيها بعض قرى مالكية، مثل قرية صديقي أحمد العسال، الذي كان حظه في فصلي، وقد تعارفنا منذ التقينا، في الصباح في الفصل، وفي المساء في دار الإخوان.

 

محمد الدمرداش مراد.. رفيق رحلة ودرب

وفي هذا الفصل تعرفت على صديق جديد، هو الأخ محمد الدمرداش مراد، أو قل: هو الذي طفق يقترب مني، ويتعرف علي بلهفة وصدق؛ فقد كان مدرس مادة (الإنشاء) يطالبنا بأن يتحدث بعضنا عن موضوع معين قبل أن نكتب فيه، في حصة الإنشاء الشفهي، ثم نكتب الموضوع في حصة الإنشاء التحريري.

 

وفي يوم من الأيام طلب مني الأستاذ أن أتكلم في موضوع معين، فوقفت وارتجلت كلمة في دقائق، وأعجب بها أخي الدمرداش إعجابًا بالغًا، وسألني: من أين لك هذا الأسلوب؟ وكيف تستطيع أن تأتي بهذه الجمل البليغة بلا تحضير؟ وقلت له: هذا نتيجة محصول من القراءات الأدبية، وليس أمرا مستحيلا، ولا متعذرا لمن أراده، فإنما العلم بالتعلم.

 

وظل يقترب مني أكثر فأكثر، في الفصل، وفي جامع السيد البدوي حيث يطيب لنا المذاكرة هناك، وقد رأى الزملاء يجتمعون حولي يسألونني في (المعضلات) الإعرابية، فأعربها بسهولة. وكان الدمرداش -رحمه الله- سليم الفطرة، يُعجب بكل ذي موهبة أصيلة، ويحب أن يكون مثله أو يقبس منه. وأذكر أن بعضهم سألني عن إعراب قوله تعالى في سورة المعارج (يبصَّرونهم) فأجبت على الفور: "يبصرون": فعل من الأفعال الخمسة مرفوع بثبوت النون، واو الجماعة فيه نائب فاعل سد مسد المفعول الأول، وضمير الجمع (هم) مفعول ثان. فدهش ودهش الحاضرون من قدرتي على الإعراب وسرعتي فيه.

 

وقد أصبح الدمرداش ملازمًا لي؛ إذا ذهبت إلى الجامع ذهب معي، وإذا ذهبت إلى شعبة الإخوان ذهب معي، وغدونا لا نكاد نفترق إلا عند النوم، فلم نجد بُدًّا من أن نسكن معا.

وقد أخذنا حجرة في منزل خالتي، وكان معه زميله وبلديه أحمد صقر حجازي، الذي كان يجيد الطهي، وأنا لا أحسن شيئا من هذا، فكان ذلك من حسن حظي، ومن صنع الله لي. وبذا أصبح محمد الدمرداش رفيق السكن، ورفيق الدراسة، ورفيق الدعوة. وغدا أقرب الأصدقاء إلي حسًّا ومعنى، وبدا كأنما يريد أن يدخل في أعماقي، أو يمْسي جزءا من كياني، يدخل بين جلدي ولحمي لو استطاع.

 

وعن طريق الدمرداش تعرفت على إخوة وأصدقاء آخرين من بلدياته، من مركز (زفتى)؛ فقد كان هو من قرية (السملاوية) مركز زفتى. ومن هؤلاء الصديق العزيز والأخ الكريم عبد العظيم محمود الديب (من كفر أبْري مركز زفتى)، وقد كان طالبًا بالمرحلة الابتدائية حينئذ، ولكنه كان متألقًا تلوح عليه مخايل النبل والتفوق. وكثيرًا ما كان يدعونا إلى مسكنه، يطعمنا بما أتحفته به والدته مما لذَّ وطاب. وقد تعودنا -نحن طلبة الإخوان- إذا دعانا أحد زملائنا، وأكرم وفادتنا، وأطعمنا حتى نشبع، نقول فيما بيننا (مازحين): هذا الأخ فاهم للدعوة. أما إذا لم يقدم ما يقنع ويشبع، نقول: إنه لا زال في بداية الطريق، لم يحسن فهم الدعوة بعد.

 

وكنا نقول لمن يضيفنا: "أكل طعامكم الأبرار، وأفطر عندكم الصائمون، وصلَّتْ عليكم الملائكة"، فيستدرك أحدنا، ويقول: "إلا جبريل؛ فإنه لا يصلي على المضيِّف حتى يقدم الشاي"!

وأحسب أننا كنا المبتكرين لهذا المُلْحة، ثم عمت بعد ذلك وانتشرت.

وفي دار الإخوان التي تجمعنا في المساء، وخصوصا أيام الخميس والجمعة، تعرفنا على عدد من الطلاب، منهم محمد الصفطاوي، وسعد الدين العراقي، وعبد العزيز الزير، وغيرهم.

 

مسرحية (يوسف الصديق).. أول ما نُشر لي

أول عمل لي دخل المكتبة العربية كان عملا شعريا مسرحيا، فقد قرأت مسرحيتي شوقي (مصرع كليوباترا) و(مجنون ليلى) وتأثرت بهما، وأردت أن أنسج على منوالهما مسرحية عن قصة سيدنا يوسف عليه السلام؛ لما فيها من غرائب الأحداث، مما يصلح لمسرحية شعرية. وقد شرعت في كتابتها وأنا في السنة الرابعة الابتدائية، وأكملتها وأنا في السنة الأولى الثانوية، ودفعت بها إلى المطبعة، وكانت تسمى (المطبعة اليوسفية) فكان هذا من المفارقات؛ فالموضوع هو (يوسف الصديق) والمؤلف هو يوسف القرضاوي، والمطبعة هي (اليوسفية) لصاحبها يوسف...

 

وكانت المشكلة في تكاليف الطبع؛ فالمطبعة تريد مبلغًا مقدمًا، وأنا لا أملك هذا المبلغ، ولا توجد جهة تشجع الشباب الناشئين، كما يوجد في هذه الأيام. ولم أجد من يعينني في ذلك غير قريب لي هو الحاج محمد الرياشي الحاروقي، الذي أقرضني مبلغ خمسة جنيهات، أعطيتها للمطبعة، وكتبت عليَّ وَصْلا بالباقي، وكان العدد كله 500 خمسمائة نسخة، أهديت وبعت منه في محيط الطلبة والإخوان حوالي المائة، وبقي نحو 400 أربعمائة نسخة، فهيأ الله رجلا اشتراها على ما أذكر بعشرة جنيهات، أعطيت منها الخمسة التي اقترضتها من قريبي وسددت باقي مبلغ المطبعة، وقلت: الحمد لله الذي أخرجني سالما، لا لي ولا علي، فإن الدَّيْن هَمٌّ بالليل ومذلة بالنهار.

 

وقد أثنت بعض المجلات الأدبية في حينها على المسرحية، باعتبارها تمثل نموذجًا من شعر الشباب، ونقلت فقرات منها.

وقد كتبت على غلاف المسرحية هذه الأبيات:

يا مَن رمَتْهُ الليالي اصبرْ لرميتِها    

إن الليالي والأيامَ أدوارُ

فالجوُّ يصحو، وإن عمَّت غمائمُهُ    

والليلُ يعقبه صبحٌ وإسفارُ

وانظر ليوسف أضحتْ مصرُ في يده    

وقبل في سجنها انتابتْهُ أظفارُ

 

وعلى غرار ما جرى عليه كثير من الشعراء في ذلك الزمن، وضعت صورتي في مقدمة المسرحية، وكتبت تحتها:

أمُـصوِّرَ الأشكـالِ والأبـدانِ       هلا تصورُ حِـكمتي وبياني؟

أتصَورنْ وجهَ الرجال وتتركنْ       تصويرَ ما بالرأسِ من عرفانِ؟

الـمرءُ ليسَ بوجـهِهِ أو جسمِهِ      لكـن بفكـرٍ ثاقـبٍ ولـسانِ

لو كان قَدْرُ المرءِ جسمًا لا حِجًا      لسَمَا عـليه الثورُ بالجـسمانِ

 

ويبدو في هذا الشعر شيء من الإعجاب بالنفس، وهو ليس من خلقي، ولكني قلته محاكاة وتقليدًا لشعراء ذلك الزمان.

كان هذا هو عملي المسرحي الأول، ولقد عملت عملا مسرحيا آخر في عالم النثر، وهو مسرحية تاريخية تجسد طغيان الحجاج بن يوسف الثقفي وجبروته وموقف العلماء منه ممثلا في واحد من أبرزهم هو العالم الفقيه الشجاع سعيد بن جبير. وقد سميت هذه المسرحية (عالم وطاغية).

وقد مُثلت في أكثر من بلد ولقيت قبولا، وأما مسرحية (يوسف الصديق) فلم تمثل؛ لأن الفتوى المعتمدة أن رسل الله وأنبياءه لا يمثلون.

 

ولم أجرب نفسي في فن القصة، وإن كنت فكرت في ذلك، وأنا في هذه المرحلة الثانوية، ثم تهيبت خوض التجربة، وإن كنت كثيرا ما أنصح إخواني وأبنائي من الأدباء الإسلاميين الناشئين أن يدخلوا هذا المعترك، ولا يدعوه للماركسيين والعلمانيين، الذين أودعوا رواياتهم وقصههم مفاهيمهم وفلسفتهم عن الدين والحياة، وعن الله والطبيعة، وعن الفرد والمجتمع، وعن الإنسان والشيطان، أحيانا صريحة مكشوفة القناع، وأحيانا بالرمز والتغطيبة بأثواب شتى.

وقل من الإسلاميين من أبدع في هذا الفن الأدبي، وترك (بصمة) تشير إليه، وتدل عليه، مثل صديقنا الدكتور نجيب الكيلاني رحمه الله، وصديقنا محمد عبد القدوس حفظه الله. 

 

موت الشيخ المراغي.. وتولي الشيخ مصطفى عبد الرازق

في صيف سنة 1945 (12من أغسطس) انتقل إلى رحمة الله تعالى الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر، وقد كان أعظم وأبرز من تولى مشيخة الأزهر في هذا العصر، وقد تولى مشيخة الأزهر مرتين مرة سنة 1929م، ولم يطُل مقامه، والأخرى سنة 1935، وظل عشر سنوات، وجاء في المرة الثانية بعد ثورة من طلاب الأزهر وعلمائه.

 

وكان للشيخ دور في إصلاح الأزهر، وإن لم يبلغ به المدى المطلوب، ولكنه بدأ الطريق، وتبين من كلام الدكتور محمد البهي أنه لم يكن راضيًا عما أداه للأزهر، وأنه لو كان في عمره بقية لسار بالأمر مسيرة أخرى، عاملا لرسالة الإيمان فقد عمل لمصلحة مشايخ الأزهر.

 

كما كان له دور في إصلاح قوانين الأحوال الشخصية، وهي الجزء الذي بقي للشعب المصري من التشريع الإسلامي، وكانت القوانين محصورة -في أول الأمر- في المذهب الحنفي لا تحيد عنه، ثم جاءت خطوة أخرى تجيز الخروج منه إلى المذاهب الأربعة، ثم كانت الخطوة الأخيرة، التي أجازت التحرر من المذاهب الأربعة نفسها إلى مذاهب الصحابة والتابعين والأتباع والمذاهب الأخرى المتبوعة والمنقرضة، ومنها ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه المحقق ابن القيم من أحكام تقيد إيقاع الطلاق، فلا توقع طلاق السكران ولا الغضبان، ولا ما أريد به الحمل على شيء أو المنع منه (أي حين يستخدم الطلاق استخدام اليمين) وكذا إيقاعه الطلاق الثلاث في لفظة واحدة طلقة واحدة رجعية، وليست ثلاثا… إلى آخر هذه الإصلاحات التي أنقذت الأسرة المسلمة.

 

وقد ثار المشايخ المقلدون للمذاهب، والمتعصبون لها، على إصلاحات الشيخ، واشتد إنكارهم عليه، وكتب في ذلك ردودا مفصلة نشرت في مجلة الأزهر، ثم جمعت بعد ذلك في كتاب تحت عنوان (بحوث في التشريع الإسلامي).

وكان مما أورده مشايخ المذاهب على الشيخ أن هذه الاختيارات والإصلاحات تقتضي أن يكون من اختارها حاصلا على رتبة (الاجتهاد) وقد انقطع من زمن لعدم وجود من يستجمع شروطه في زمننا.

ورد عليهم الشيخ أن الاجتهاد في زماننا أيسر من الزمن الماضي، وفي علماء الأزهر الحاليين من يستجمع هذه الشروط من معرفة القرآن والسنة واللغة العربية ومواضع الإجماع، وإذا لم تؤهل معاهد الأزهر وكلياته طالبها بعد الدراسات الطويلة للاجتهاد في بعض المسائل وترجيحها، فلا معنى لبقاء هذه المعاهد. وفي النهاية انتصر توجه الشيخ وأصبح المعمول به.

 

مات الشيخ في عطلة الصيف، والطلبة في إجازاتهم، ولو كان موته في أيام الدراسة لتجمع طلاب الأزهر من جميع أنحاء مصر للمشاركة في جنازته.

وحينما بدأ العام الدراسي، أقيم له حفل تأبين في طنطا شارك فيه عدد من الخطباء والشعراء الذين نوهوا بفضائل الشيخ، ودوره البارز في الأزهر وفي المجتمع المصري عامة.

 

وقد اختير لمشيخة الأزهر خلفا للشيخ المراغي: الشيخ مصطفى عبد الرازق، خريج الأزهر، وخريج السوربون، وأستاذ الفلسفة بكلية الآداب، ووزير الأوقاف من قبل، وسليل أسرة عبد الرازق الأرستقراطية المعروفة والمحسوبة على حزب الأحرار الدستوريين، والقريبة من القصر، وشقيق الشيخ علي عبد الرازق، مؤلف كتاب (الإسلام وأصول الحكم) الذي أثار ضجة عند صدوره، وهاج عليه الأزهر والمجتمع، وإن كان الشيخ مصطفى غير أخيه.

 

عين الشيخ مصطفى شيخا للأزهر، بالرغم من أن قانون الأزهر يشترط أن يكون شيخه من أعضاء هيئة كبار العلماء، ولم يكن الشيخ مصطفى منهم، لهذا عارضه بعض كبار الشيوخ، ومنهم الشيخ عبد المجيد سليم مفتي الديار المصرية، ولكن الملك فاروق كان يرغب في تعيين الشيخ، وإذا رغب الملك طوعت له القوانين، فالقوانين تلين لبعض الناس حتى تكون كالعجين، وتشتد لآخرين حتى تكون كالفولاذ.