حاجة البشرية إلى الرسالة الحضارية لأمتنا

تحميل الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربه.

أما بعد ...

فهذه صحائف قد كتبتها، استجابة لطلب بعض الإخوة، لألقي شيئًا من الضوء على مشروع أمتنا الحضاري، الذي تقدمه لخلاص البشرية وهدايتها، في مطلع القرن الحادي والعشرين الميلادي أو «الألفية الثالثة» كما يسمونها، ولكني آثرت أن أعبر عن هذا «المشروع» بكلمة «الرسالة» فهي أقرب إلى مصطلحاتنا الإسلامية، وإلى جونا الإسلامي.

وقد رأينا في هذه الصحائف حاجة البشرية الماسة، وخصوصًا في الغرب المتفوق ماديًا - إلى هذه الرسالة التي تمزج المادية بالروح، وتصل بين الدنيا والآخرة، وتجمع بين الربانية والإنسانية، وتوفق بين العقل والقلب، وتوازن بين حرية الفرد ومصلحة المجتمع.

صحيح أن الغرب قد بلغ مبلغًا عظيمًا في الرقي المادي، وحقق الثورات المعروفة في عالم اليوم: الثورة التكنولوجية، والثورة الالكترونية، والثورة الفضائية، والثورة البيولوجية، وثورة المعلومات، وثورة الاتصالات، ولكن إنسان الغرب الذي وضع أقدامه على سطح القمر، لم يستطع أن يحقق لنفسه السكينة والسعادة على ظهر الأرض، ولن يجد ذلك إلا في رسالة الإسلام التي تعطيه الإيمان، ولا تحرمه العلم، وتربطه بالآخرة، ولا تحرم عليه الدنيا، وتصله بالسماء ولا تنتزعه من الأرض.

وإنما تؤتي هذا الرسالة أكلها، وتحقق أهدافها العالمية، إذا قدمتها أمة تمثلها بحق، وتجسدها بصدق، علمًا وعملًا، وفكرًا ودستورًا، وخلقًا وسلوكًا.

ولهذا كانت حاجة الأمة المسلمة إلى هذه الرسالة أشد من حاجة الآخرين إليها، وهي أحق بها وأهلها، وهي التي تجعل منها «الأمة الوسط» الشهيدة على البشر، و{خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] ... وهي وحدها القادرة على حل مشكلات الأمة، والنهوض بها لأداء دورها في العالم، كما هو مطلوب منها.

على أن تختار الأمة الاتجاه الصحيح، الذي يصلح لها، وتصلح له، من بين اتجاهات عدة تنتسب للأسف إلى الإسلام، مثل الاتجاه الاجتراري، والانتحاري، والاعتذاري، والافتخاري، والاحتضاري، والاشتجاري. وقد شرحنا المراد بكل منها.

أما الاتجاه الذي يجب أن تتبناه الأمة، فهو ما سميناه «الاتجاه الحضاري». وهو الذي يقدم الإسلام على أنه رسالة حضارية عالمية متميزة، لها مقوماتها وخصائصها من الشمول والوضوح والتوازن والتكامل والعمق، وهذا الاتجاه هو الذي يدعو إليه شعار الواسطية الإسلامية الذي نؤمن به.

أسأل الله تعالى أن يوفق أمتنا للقيام برسالتها الربانية العالمية، في هذا القرن الجديد، وتقدم لها الإسلام رحمة للعالمين، وهداية للحائرين.

}وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (النور: 46)

القاهرة في جمادى الآخرة 1421هـ

سبتمبر 2000م

الفقير إلى عفو ربه

يوسف القرضاوي