كيف نتعامل مع التراث والتمذهب والاختلاف

تحميل الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تتنزل البركات، وبتوفيقه تتحقق الغايات، وبتيسيره تزول العقبات، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، البشير النذير، والسراج المنير، سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا، ومعلمنا الخير، وهادينا إلى الله، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربه إلى يوم الدين.

أما بعد

فهذا هو الجزء الخامس من هذه السلسلة المباركة «نحو وحدة فكرية للعاملين للإسلام» التي تعالج قضايا فكرية متنوعة، أصولية وفقهية، وعقدية وعملية، مما يمكن أن يلتبس فيها السبيل، ويكثر القال والقيل، ويختلف الناس ما بين ميمنة وميسرة، وما بين مشرّقين ومغرّبين.

ونحن في هذه السلسلة ندندن حول كلمات قوية مركزة للإمام الشهيد حسن البنا عليه رحمة الله ورضوانه، سمَّاها «الأصول العشرين» وصاغها صياغة تتميز بالحكمة والاعتدال والرفق، وحرص فيها على أن يجمع ولا يفرق، وأن يقرب ولا يباعد بين أهل القبلة، وأبناء الملة.

وقد اقترح عليَّ بعض الأصدقاء المخلصين من أهل العلم: أن أفْصِلَ هذه الكتب عن «الأصول العشرين»؛ لأن كثيرًا من الناس سيتصورنها كتبًا خاصة للإخوان المسلمين، وهم وحدهم الذين يقرأونها، وقال هذا الصديق: مع أني تابعت الأجزاء الأربعة التي صدرت منها، فوجدت ما فيها من علم وتأصيل وفكر أصيل يحتاج إليه أبناء الأمة جميعًا، سواء كانوا من الإخوان أم من غيرهم.

وقال هؤلاء الإخوة: إن اعتبار هذه السلسلة شرحًا للأصول العشرين ظلم لها، فهي تشرح السطرين أو الثلاثة من كلام البنا بكتاب كامل، وما العلاقة بين الكتاب وبين الأصل الذي يتحدث حوله إلا كالعلاقة بين النواة والنخلة!

وأود أن أقول لهؤلاء الإخوة الفضلاء: إن عنوان هذه السلسلة يدل عليها، ويعرف بهدفها، فقد توجهت بها لكل العاملين في ساحة الدعوة الإسلامية، والعمل الإسلامي من علماء ودعاة وجمعيات وجامعات ومؤسسات، فقد شغلني هَمُّ الدعوة والدعاة، وهَمُّ الدين وتجديده، وهم الأمة وتغييرها من داخلها، وهمّ أعداء الأمة الذين يحاولون تعويق مسيرتها، وتمزيق وحدتها، وغفلة كثير من العاملين للإسلام عن كيد هؤلاء.

لقد أردت بهذه السلسلة أن أخاطب كل الغيورين على الإسلام، وكل المهتمين بشأن أمته، وإعلاء كلمته، وتحكيم شريعته، مجتهدًا أن أزيل الجفوة بينهم، وأن أردم الفجوة التي تفصل بعضهم عن بعض، وأن أغرس الحُبَّ والتسامح في قلوبهم بدل البغضاء والتعصب، فإن البغضاء هي الحالقة، لا تحلق الشعر ولكن تحلق الدين.

وأنا أربأ بإخواني المعنيين من أهل العلم والدعوة: أن يعتبروا هذه الكتب للإخوان وحدهم، فما قصدت إلى هذا ولا أردته، بل الواقع أن حسن البنا قبل أن يكتب هذه الأصول للإخوان، كان قد تقدم بها لاتحاد الجمعيات الدينية في مصر، التي وقع بينها من الخلاف والتجافي والتنادي إلى حد التراشق بتهم بالتفيسق والتكفير. فأراد بأصوله هذه أن تمثل الحد الأدنى الذي يجب أن يلتقي عليه كل من يعمل لنصرة الإسلام.

وفي هذه الأصول الأربعة التي تحدثنا حولها هنا، تعرضنا لقضايا في غاية الأهمية والخطر:

1- مثل قضية تراث السلف وموقفنا منه، وكيف نقومه بميزان الكتاب والسنة.

2- ومثل قضية التمذهب والتلقيد بين الموجبين له، حتى على أهل العلم، والمحرمين له حتى على العوام والأميين من العرب والعجم!

3- ومثل قضية الاختلاف الفقهي، وهل يؤدي إلى التفرق الديني؟ وكيف نضبط هذا الاختلاف بالضوابط الشرعية العلمية، بحيث نؤسس ركائز لفقه الاختلاف، حتى يكون اختلاف تنوع وثراء، لا اختلاف صراع وتضاد.

4- مثل قضية الجدل «البيزنطي» في فرعيات الدين التي لا ينبني عليها عمل، والتي تأكل الأوقات، وتنشئ الحزازات، وتفرق الجماعات.

ومن الناس من تضيق صدورهم بأي خلاف، مع أن من الخلاف ما هو ضرورة ورحمة وتوسعة للأمة، وما يكون ثروة حقوقية وفقهية لها، وما يتيح لها فرصة للانتقاء والترجيح.

ومن الناس من يعتبر رأيه أو رأي جماعته هو الصواب الذي لا يحتمل الخطأ، ورأي غيره هو الخطأ الذي لا يحتمل الصواب بحال، وقد ورثنا من السلف هذه الكلمة العادلة: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.

بقيت هنا كلمة لا بد أن أقولها إحقاقًا للحق:

إذا كان تراث أسلافنا العظام - في مستواه البشري - خاضعًا للنقد، وليس في ذاته قداسة ولا عصمة، فإن منطق العقول المستقلة يقول: إن تراث الآخرين سواء كان في الغرب أم في الشرق، أحق بالخضوع للنقد والتقويم من تراثنا الذي يتميز بصلته بالدين، واستظلاله بالوحي، وهذا ما لا يجوز أن يختلف فيه اثنان من العقلاء.

وإذا كنا ننكر تقليد أسلافنا من فقهاء الأمة الكبار، وأئمتها العظام؛ لأنهم فكروا واجتهدوا وأبدعوا لزمانهم لا لزماننا، ولبيئاتهم لا لبيئاتنا، فنحن - ولا شك - أشد إنكارًا لتقليد آخر يشيع اليوم، ويراد له أن يهيمن على عقولنا، ويوجه حياتنا، وأن نخضع له أفكارنا وسلوكنا، ذلكم هو تقليد الغرب صاحب الحضارة المسيطرة على العالم بما فيها من نزعة مادية ظاهرة، ونزعة نفعية غالبة، وما تتضمنه في غالب مدارسها الفلسفية، وتطبيقاتها العملية، من احتقار للغيبيات، وإهمال للقيم الروحية والأخلاقية، وتشجيع للتحلل والإباحية، والتعامل بالمعايير المزدوجة، واعتبار الغرب هو سيد العالم، وأن حضارتهم أم الحضارات. لقد أثر الغرب فينا قديمًا عن طريق الاستعمار بأنواعه: السياسي والعسكري والاقتصادي والتشريعي والثقافي، واليوم يغزونا عن طريق ما سمَّوه «العولمة» وهي اسم جديد للاستعمار.

أقول: إن هذا التقليد الذي يراد فرضه علينا اليوم، لتحني رءوسنا لفكر الغرب وثقافته، وفلسفته وحضارته، والتخلي عن جذورنا الإيمانية والثقافية وهويتنا الحضارية، وخصائصنا الدينية والفكرية، لترتمي في أحضانه، وتذوب في حضارته، وتفنى فيها، كما عبر بعضهم من قديم - هذا التقليد مرفوض عندنا بلا نزاع؛ لأنه يمثل بالنسبة لنا اليوم اغترابًا، كما يمثل تقليد الأسلاف اغترابًا.

تقليد الأسلاف يعتبر اغترابًا في الزمان، وتقليد الغرب يعتبر اغترابًا في المكان. والواجب أن نعيش في زماننا ومكاننا، لا نغترب عن العصر، ولا نغترب عن الدار. نريد أن نفكر لأنفسنا بعقولنا لا بعقول غيرنا، لا نريد من أحد أن يفكر لنا، سواء كان من الأموات، الذين بيننا وبينهم قرون وقرون، أم من الأحياء الذين بيننا وبينهم بحار ووهاد.

على أن أسلافنا -وإن اغتربوا عنا زمانًا- هم أقرب إلينا فكرًا وشعورًا، فمنطلقاتهم منطلقاتنا، وغاياتهم غاياتنا، ومناهجهم مناهجنا، ولكنهم لم يحيوا حياتنا، ولم يعيشوا مشاكلنا، ولم يواجهوا تحدياتنا، ولم يعرفوا ما عرفنا في عصرنا. أما الغربيون فهم أكثر بعدًا منا؛ لأن منطلقاتهم ليست منطلقاتنا، وغاياتهم غير غاياتنا، ومناهجهم ليست مناهجنا، فتقليدنا لهم أشد نكرًا.

ورجائي من إخواني العاملين للإسلام -أيًّا كانت المدرسة التي ينتمون إليها- أن يقرأوا كتابي هذا بروح الأخوة الإسلامية، لا بروح العصبية الجاهلية، فما أنا إلا واحد منهم، يسرني ما يسرهم، ويسوءني ما يسوءهم، وما أردت والله إلا الخير لهم ولهذا الدين، ولا أدعي العصمة لما كتبت، ولا أزعم أني أعلم من أحد، فأنا لا أزال أطلب العلم، وسأظل أطلبه - بتوفيق الله تعالى - ما دامت لي عين تقرأ، وأذن تسمع، وعقل يعي، موقنًا بقول الله تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا} [الإسراء: 85] وداعيًا الله جل شأنه بما أمر خاتم رسله أن يدعو به ربه حين قال: {وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا} [طه: 114].

اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ} [البقرة: 286].

الدوحة في ربيع الأول 1422هـ                      الفقير إلى الله

يونيو «حزيران» 2001م                            يوسف القرضاوي