د. يوسف القرضاوي

إن الإسلام هو الرسالة الوحيدة التي تُقدِّم للبشرية منهجًا يتميز بالتوازن والتكامل، ونعني بالتوازن: التوسط بين طرفي الغلو والتفريط، اللذين لم يسلم منهما منهج بشري صرف، أو منهج ديني دخله تحريف البشر، وهو ما يُعبِّر عنه القرآن باسم «الصراط المستقيم» وهو المذكور في فاتحة الكتاب، الذي يسأل المسلم ربه كل يوم أن يهديه إليه ما لا يقل عن سبع عشرة مرة في صلواته: {اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] فهو منهج متميز عن طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين.

وقد يُعبِّر عنه بـ «الميزان» الذي يجب ألا يشوبه طغيان ولا إخسار كما قال تعالى: {وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن: 7- 9].

فالطغيان هو الميل إلى جانب الغلو والإفراط، والإخسار: هو الميل إلى جانب التقصير والتفريط، وكلاهما ذميم.

في هذا المنهج تلتقي المتقابلات التي يحسب كثير من الناس التقاءها ضربًا من المُحال، لأنها في نظرهم متضادة، والضدان لا يجتمعان، ولكنها في الإسلام تلتقي في صورة من الاتساق المبدِع، بحيث يأخذ كل منها المساحة المناسبة له، دون أن يطغى على مقابله: لا طغيان ولا إخسار.

فهو يضع الموازين القسط.

بين الربانية والإنسانية.

بين الوحي والعقل.

بين الروحية والمادية.

بين الأُخروية والدنيوية.

بين الفردية والجَماعية.

بين المثالية والواقعية.

بين الماضوية والمستقبلية.

بين المسئولية والحرية.

بين الاتباع والابتداع.

بين الواجبات والحقوق.

 بين الثبات والتغير.

بين الاعتزاز والتسامح.

وبهذا التوازن تتميز الأمة المسلمة عن غيرها من الأمم، ويضعها في مرتبة الأستاذية، وهو ما خاطبها الله تعالى به بقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143].

وأما التكامل فلا نعني به التوسط أو التعادل بين طرفين متقابلين كالذي ذكرناه في التوازن.

إنما نعني به اجتماع معان وأمور يكمل بعضها بعضًا، ولا يُستغنى بأحدها عن الآخر، لكي يؤدي الإنسان رسالته كاملة في عمارة الأرض، وخلافة الله، وعبادته، كما أمر الله تعالى.

مثال ذلك:

العلم... والإيمان.

الحق... والقوة

العقيدة... والعمل.

الدين... والدولة.

التربية... والتشريع.

وازع الإيمان... ووازع السلطان.

الإبداع المادي... والسمو الخلقي.

القوة العسكرية... والروح المعنوية.

فليس العلم مقابلًا أو مضادًا للإيمان، في نظر الإسلام، ولا في واقع الأمر. وليس الحق مقابلًا للقوة، وليست العقيدة مقابلة للعمل، ولا التربية مقابلة للتشريع ... وهكذا، إنما هي معان يُكمِّل بعضها بعضًا.

فإن الحياة التي ينشدها الإسلام لا تستقيم ولا تتكامل إلا بهذه الأمور كلها.

وعيب المناهج والأنظمة البشرية أنها تهتم ببعض الجوانب دون بعض، وتركز على بعض القيم دون بعض، فنراها تعنى – مثلًا - بالاقتصاد والإنتاج، أعني بإشباع البطون، ولكن لا تعنى كثيرًا بإشباع العقول، وقد تعنى بإشباع العقول بالعلم المادي، ولكنها لا تعنى بإشباع القلوب والأرواح برحيق الإيمان. وقد تهتم بتيسر المواصلات بين البلدان، على حين تغفل الاهتمام بالصلات الاجتماعية والنفسية بين الناس.

ولكن الإسلام - منهج الله - يعنى بإشباع حاجات الإنسان كله: جسمه وعقله وروحه، ويهتم بالإنسان في كل أحواله، فردًا، وعضوًا في أسرة، وعضوًا في مجتمع، ويوجّه عنايته التوجيهية والتشريعية إلى الإنسان في كل مراحله وأوضاعه، الإنسان طفلًا، والإنسان شابًا، والإنسان شيخًا .. الإنسان رجلًا، والإنسان امرأة .. الإنسان حاكمًا، والإنسان محكومًا، الإنسان من حيث هو إنسان: أبيض أو أسود، شرقي أو غربي، غني أو فقير، يعيش في ناطحات السحاب أو في الغابات والأدغال.

...................

- من كتاب "الإٍسلام حضارة الغد" لفضيلة العلامة.