د. يوسف القرضاوي

محطَّتان مهمَّتان من محطَّات الطريق إلى الله، وبعبارات رجال السلوك: منزلتين من منازل السائرين إلى الله، وإلى عبادته، وهما: الورع والزهد، فما الفرق بين الورع والزهد؟

قال الإمام أبو الوليد بن رشد القرطبي المالكي (ت:520هـ): الورع هو: اجتناب المحرمات والمتشابهات. قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم: "الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما أمور متشابهات، فمَن اتَّقى المشتبهات استبرأ لدينه وعِرضه" الحديث (1)، فاجتناب المحرَّمات واجب، واجتناب الشبهات مستحبٌّ. ولا ينطلق اسم الورع إلا على مَن اجتنب المحرَّمات والمشتبهات.

والزهد هو: ما يبعث على اجتناب المحرَّمات والمشتبهات، وترك التنعُّم بالمباح من الشهوات. فكلُّ زاهد ورِع، وليس كلُّ ورع زاهدًا، فالورع أعمُّ من الزهد (1) اهـ. وكذلك الورع يسبق الزهد، فهو مقدِّمة له. قال العلاَّمة ابن القيم: سمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة. والورع: ترك ما تخاف ضرره في الآخرة.

قال ابن القيم: وهذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها (2) .

وقال الحسن: مثقال ذرَّة من الورع؛ خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة (3) !

وهو يشير الى أهمية أعمال القلوب، بالنسبة الى أعمال الجوارح.

وقال سلمان (الفارسي): جلساء الله غدًا أهل الورع والزهد (4) .

وقال أبو واقد الليثي: تابعنا الأعمال، فلم نجد شيئًا أبلغ في طلب الآخرة من الزهد في الدنيا (5) .

وقال أيضًا: ما وجدنا شيئًا أعون على أخلاق الإيمان من الزهادة (6) .

وقال ابن المبارك: ما رأيت شيئًا يتقوَّى به على العبادة مثل الجوع والزهادة (7) .

فمما لا ريب فيه، ومما علَّمناه الإسلام في قرآنه العظيم، وسنَّة نبيِّه الكريم: أن الله تعالى خلقنا ليمتحننا ويبتلينا بالإيمان به، والإسلام له، وتحقيق العبودية له؛ لنعبده وحده لا نتعبَّد لأحدٍ سواه، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات:56) .

وكذلك لنقوم بخلافته في أرضه، نقيم فيها الحقَّ والعدل والخير والصلاح، ونطارد فيها الباطل والظلم والشرَّ والفساد. كما قال تعالى للملائكة حين أراد خلق آدم عليه السلام: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة:30) .

كما خلقنا عزَّ وجلَّ لنعمر أرضه ونصلحها، كما قال تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (هود:61)، ومعنى {اسْتَعْمَرَكُمْ}: أي طلب إليكم أن تَعْمُروها ولا تخرِّبوها، وأن تصلحوها ولا تفسدوها، كما قال سبحانه: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} (الأعراف:56)، أي: بعد أن خلقها الله صالحةً لسُكناكم ولمعيشتكم، ولإعانتكم على رسالتكم فيها، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} (الأعراف:10)، وقال تباركت آلاؤه: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (الملك:10) .

كيف نحقق العبودية لله سبحانه؟

ولكي نقوم بعبادة الله وخلافته وعمارة أرضه، لا بد لنا أن نتَّبع منهجه الذي شرعه لنا في كتابه، وعلى لسان رسوله، الذي أرسله بالهدى ودين الحقِّ ليظهره على الدين كلِّه. ومقتضى هذا: أن نتحرَّر من عبوديتنا لهوانا أو أهواء الآخرين، لنعبد الله وحده، ولننقاد لشرعه بكلِّ ما فيه من أوامر ونواهٍ، وعقائد وأحكام. فإنما مهمَّة الشرع أن يُخرِج الإنسان من اتباع هواه أو هوى سواه، إلى اتباع هدى الله، {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (القصص:50) .

حقيقة الدين

وهذا هو حقيقة الدين: أن تسلم وجهك إلى الله، وتُحسن عملك في رضا الله، {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} (لقمان:22) ، {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} (النساء:125) .

ابتلاء الله عباده بالتكليف

والدين قائم على التكليف الذي ابتلى الله به عباده، وهو التزام ما فيه كُلفة ومشقَّة، {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} (الإنسان:2) . وهو الأمانة التي عُرضت على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان. إنها أمانة التكليف، وهي مسؤولية ما أثقلها! وإنما ابتلى الله بني آدم بهذا التكليف، ليصقلهم ويعدَّهم به في الدنيا للخلود في الآخرة، دار البقاء. وقد هيَّأهم الله بما آتاهم من نعمة العقل، ونعمة الإرادة، وبما بعث لهم من الرسل، وأنزل عليهم من الكتب.

التكليف فعل وترك

والتكليف فعل وترك، لأنه أوامرُ ونواه. فما تُؤْمر به مطلوبٌ أن يُفعل، وما تُنهى عنه مطلوب أن يُترك، وإن اختلفت مراتب الطلب. وهكذا كلُّ منازل الطريق إلى الله إنما هي فعل وترك.

الورع والزهد يدخلان في جانب الترك

و (الورع) و (الزهد) يدخلان في باب الترك والاجتناب في أصلهما. إذ (الورع) في حقيقته هو ترك ما حرَّم الله، أو ترك ما نهى الله عنه، أو ما لا يحبُّه الله من عباده، وهذا ضربٌ من عبادته سبحانه، فليست كلُّ العبادات شعائر ومناسك يُتقرَّب بها إلى الله سبحانه، بل منها: اتِّقاء ما يغضبه تعالى من الأقوال والأفعال، ظاهرة أو باطنة، كما قال عزَّ وجلَّ: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} [الأنعام:120].

وهنا يأتي الحديث االقائل: "اتقِ المحارم تكن أعبد الناس" (8)، فهنا يجعل الحديث عبادة الله مُجسَّدة في ترك المُحرَّمات "اتقِ المحارم". وفي بعض روايات الحديث: "كن ورعًا تكن أعبد الناس" (9)، فجاء بلفظ (الورع).

وكذلك (الزهد) هو تركٌ أيضًا، لأن حقيقته الإعراض عن متاع الدنيا وزخارفها، رغبةً فيما عند الله جلَّ شأنه، سواء كان زهدًا في الحرام، أم في الشبهات، أم في فضول الحلال. وبعبارة أخرى: هو ترك كل ما يشغل عن الله سبحانه.

......................

* من كتاب "الزهد والورع" لفضيلة العلامة.

(1) الجامع من المقدمات لأبي الوليد محمد بن رشد القرطبي، تحقيق المختار بن الطاهر التليلي.

(2) مدارج السالكين (2/ 10)، طبعة دار الحديث، القاهرة.

(3) ذكره ابن القيم في مدارج السالكين (2/22) .

(4) ذكره السيوطي في الجامع الصغير (3597)، وعزاه لابن لال، عن سلمان، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2632)، ونسبه ابن القيم في مدارج السالكين لأبي هريرة (2/22).

(5) رواه هناد في الزهد (558)، ووكيع في الزهد (2)، وابن أبي شيبة في الزهد (35767)، والبيهقي في الشعب باب الزهد (10682) .

(6) رواه ابن الأعرابي في الزهد (58)، والبيهقي في الشعب باب الزهد (10683)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (67/ 278) .

(7) رواه ابن الأعرابي في الزهد (59) .

(8) رواه أحمد (8095)، وقال مخرِّجوه: حديث جيد، وهذا إسناد ضعيف لجهالة أبي طارق السعدي، والترمذي في الزهد (2305)، وقال: غريب، وأبو يعلى (6240)، والطبراني في الأوسط (7054)، والبيهقي في الشعب باب إكرام الجار (9543)، عن أبي هريرة، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (100).

(9) رواه ابن ماجه في الزهد (4217)، وأبو يعلى (5865)، والبيهقي في الشعب باب المطاعم والمشارب (5750)، عن أبي هريرة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (4580).