د. يوسف القرضاوي

مما عنى به الإسلام: الحث على التعلم، فقد خلق الله الناس غفلا من العلم، وأعطاهم أدوات العلم ليتعلموا، فإنما العلم بالتعلم، قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل:78).

وقال الشاعر:  تعلم، فليس المرء يولد عالما    وليس أخو علم كمن هو جاهل!

وقد ذكرنا في أكثر من حديث: "من سلك طريقا يطلب فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة".

"وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع".

وإن طلب العلم بمنزلة الجهاد في سبيل الله.

وقال صلى الله عليه وسلم: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه".

وقال الله تعالى في كتابه: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة:122) ، وقال: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (النحل:43).

وقال ابن عباس: ذللت طالبا، فعززت مطلوبا!

وقال ابن المبارك: عجبت لمن لم يطلب العلم كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة!

وقال بعض الحكماء: إني لا أرحم رجالا كرحمتي لأحد رجلين: رجل يطلب العلم ولا يفهمه، ورجل يفهم العلم ولا يطلبه!

وقال أبو الدرداء: لأن أتعلم مسألة أحب إلي من قيام ليلة!

وقال: العالم والمتعلم شريكان في الخير، وسائر الناس همج لا خير فيهم.

وقال أيضا: كن عالما أو متعلما أو مستمعا، ولا تكن الرابع فتهلك! والرابع هو المعرض عن العلم.

ومما يحكى من وصايا لقمان لابنه: يا بني، جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك، فإن الله سبحانه يحيي القلوب بنور الحكمة، كما يحيي الأرض بوابل السماء.

وقد ذكر القرآن لنا تلك الرحلة التاريخية التي قام بها نبي من أولي العزم من الرسل ـ وهو موسى الذي كلمه الله تكليما، واصطفاه برسالاته، وأنزل عليه التوراة فيها هدى ونور ـ ليطلب العلم عند رجل لم يذكر القرآن لنا اسمه، واختلف العلماء في شأنه: أهو نبي أم ولي؟ وحتى إن كان نبيا ـ وهو الصحيح ـ فليس في منزلة موسى قطعا، ويبدو أن موسى قطع هذه الرحلة، هو وفتاه وخادمه على أقدامهما، ولذا قال فيها: {آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} (الكهف:62) .

وفي هذه الرحلة التي قصها علينا القرآن يتجلى لنا بعض الآداب المهمة للتعلم..

أولى هذه الآداب: الحرص على العلم مهما يكن في طلبه من لأواء ومشقة وعناء، كما فعل موسى عليه السلام في رحلته إلى "مجمع البحرين" وقد لقي فيها ما لقي من النصب.

والأدب الثاني: التلطف مع المعلم، وإظهار الاحترام والتوقير له، وهذا ما نلمسه بجلاء ووضوح في تعامل موسى عليه السلام مع هذا العبد الصالح، الذي عرف باسم "الخضر" عليه السلام، فقد قال له موسى بأدب التلميذ مع المعلم: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا}(الكهف:66) .

والأدب الثالث: الصبر على المعلم، وهذا ما فعله موسى مع معلمه، فحين عرض عليه أن يتبعه ليعلمه مما علمه الله، قال المعلم: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا* قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} (الكهف:67-70) .

والأدب الرابع: أن المؤمن لا يشبع من العلم، وأنه يطلب أبدا الزيادة منه، كما قال الله لخاتم رسله: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (طه:114) ، وهذا ما حرص عليه موسى: أن يضيف إلى علمه علما آخر.

والأدب الخامس: ما نبهت عليه السنة النبوية، وهو: أن يتعلم العلم يريد به وجه الله تعالى. وبذلك يغدو طلب العلم عبادة وجهادا في سبيل الله، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله تعالى، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة".. يعني ريحها.

وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا تماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك، فالنار النار".

العلم من المهد إلى اللحد

والتعلم أو طلب العلم في الإسلام لا يقف عند حد معين، ولا عند سن معينة، وقد اشتهر عند المسلمين هذه الحكمة: "اطلب العلم من المهد إلى اللحد"، حتى ظنها الناس حديثا نبويا، وما هي بحديث، ولكنها من مأثور التراث الإسلامي.

وكم رأينا من علماء السلف من يطلب العلم، وهو على فراش الموت، فيسأل بعض أصحابه أو أبنائه أن يقرؤوا عليه تفسير بعض الآيات القرآنية أو بعض الأحاديث النبوية، أو بعض المسائل الفقهية، أو نحو ذلك، حتى يأتيه الموت وهو يطلب العلم.

وكم رأينا من الشيوخ الكبار في السن، والكبار في العلم، من يطلب العلم، لا يستحي من شيخوخته ولا يستحي من مكانته، ولا يجد في ذلك غضاضة ولا حرجا، ليحقق الحديث الشريف: "منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا".

وقد حكى لنا الحافظ ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم" صورا ووقائع شتى؛ ولهذا كان أئمة الإسلام إذا قيل لأحدهم: إلى متى تطلب العلم؟ فيقول: إلى الممات.

قال نعيم بن حماد: سمعت عبدالله بن المبارك رضي الله عنه يقول ـ وقد عابه قوم في كثرة طلبه للحديث ـ فقالوا له: إلى متى تسمع؟ قال: إلى الممات.

قال الحسين بن منصور الجصاص: قلت لأحمد بن حنبل رضي الله عنه: إلى متى يكتب الرجل الحديث؟ قال: إلى الموت.

وقال عبدالله بن محمد البغوي: سمعت أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقول: إنما أطلب العلم إلى أن أدخل القبر.

وقال محمد بن إسماعيل الصائغ: كنت أصوغ مع أبي ببغداد، فمر بنا أحمد بن حنبل، وهو يعدو، ونعلاه في يديه، فأخذ أبي بمجامع ثوبه، فقال: يا أبا عبدالله، ألا تستحي؟ إلى متى تعدو مع هؤلاء؟! قال: إلى الموت.

وقال عبدالله بن بشر الطالقاني: أرجو أن يأتيني أمري، والمحبرة بين يدي، ولم يفارقني العلم والمحبرة!

وقال حميد بن محمد بن يزيد البصري: جاء ابن بسطام الحافظ يسألني عن الحديث فقلت له: ما أشد حرصك على الحديث! فقال: أو ما أحب أن أكون في قطار آل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

وقيل لبعض العلماء: متى يحسن بالمرء أن يتعلم؟ قال: ما حسنت به الحياة!

وسئل الحسن عن الرجل له ثمانون سنة: أيحسن أن يطلب العلم؟ قال: إن كان يحسن به أن يعيش.

...................

* من كتاب "الحياة الربانية والعلم" لفضيلة العلامة.