د. يوسف القرضاوي

أول ما يجب على المستفتي أن يحسن السؤال، فحسن السؤال نصف العلم، كما هو مأثور؛ وتطبيقا لهذا المعنى يجب أن يكون سؤاله عما ينفع، أي يسأل في واقعة يعانيها هو أو غيره ويريد الحكم فيها، ولا يسأل فيما هو مفترض بعيد الوقوع؛ فهذا من: "أغاليط المسائل" التي جاء الحديث بالنهي عنها (رواه أبو داود) .

وقد سأل بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم أسئلة لا ثمرة لها، فغضب لذلك غضبا شديدا، كسؤال عبدالله بن حذافة له: من أبي؟ لأن مثل هذا السؤال لا نفع له قط، لأنه إن كان له أب غير الذي ينسب إليه بين الناس، لم يكسب من ذلك إلا أن يفضح أمه، ويزري نفسه.

وقد عاقب عمر رجلا جعل كل همه أن يسأل عن المتشابهات، التي لا يتعلق بها حكم عملي، وقد يثير الجري وراءها مراء وجدلا لا طائل تحته، إلا إضاعة الأوقات، وبلبلة الأفكار، وإيغار الصدور، ولما سئل الإمام مالك عن معنى "الاستواء" في قوله تعالى (استوى على العرش) غضب وقال للسائل: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة!

وقد روي في التفسير أن بعض المسلمين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط، ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدرا، ثم ينقص حتى يصير كما كان، فأنزل الله قوله: (يسألونك عن الأهلة، قل هي مواقيت للناس والحج) فعدل عن الجواب عن عين سؤالهم إلى الجواب عن منافع الأهلة في الدين والحياة، فهذا ما يقدرون على فهمه في ذلك الوقت، وهو كذلك أجدى عليهم وأنفع لهم.

وسائر الأسئلة التي سجلها القرآن للمسلمين في عصر النبوة كانت أسئلة واقعية تتصل بصميم حياتهم، لا بأخيلة وافتراضات وأغلوطات يدفع إليها حب التسلية وتزجية الفراغ، أو التعالم الأجوف، أو التعنت وتعجيز الغير، أو نحو ذلك من البواعث الرخيصة التي لا وزن لها في دين ولا أخلاق.

ومن أسئلتهم التي خلدها القرآن (يسألونك عن الخمر والميسر) (يسألونك ماذا ينفقون) (يسألونك عن اليتامى) (يسألونك عن المحيض) (يسألونك ماذا أحل لهم) الخ.

وقد ظل المسلمون في عصور ازدهارهم يسألون عما يفيدهم في دينهم ومعاشهم ومعادهم، وإذا جمح بأحدهم جواد خياله رده علماؤهم إلى جادة الصواب، وأفهموه أن الإسلام يريد المسلم إيجابيا منتجا، يعرض عن اللغو، ويشغل نفسه ووقته بالنافع من القول والعمل والفكر.

ولما تخلف المسلمون ـ حضاريا وفكريا ـ أكثروا من الأسئلة التي لا يصلح بها دين، ولا ترتقي بها دنيا، ولا يزكو عليها فرد، ولا تنهض بها جماعة، وشغل عوام المسلمين بمسائل وتفصيلات لم تخطر ببال أحد من سلف الأمة.

وكان للمتأخرين من علمائهم المقلدين دور كبير في إذكاء هذه الروح، ودعم هذا الاتجاه، لأنهم ضيعوا اللباب، وشغلوا بالقشور، وشغلوا الناس معهم بها، حتى أن تدريس الوضوء والطهارة ليستغرق دروس شهر كامل كشهر رمضان.

ولقد بقي من رواسب عصور الانحطاط بقية من الناس، رأيت من أسئلتهم العجب العاجب، وقرأت في رسائلهم إلي ما يثير الدهشة، ويستفرغ الضحك، وشر البلايا ما يضحك كما قيل.

ما لون كلب أهل الكهف؟ وهل كان ذكرا أم أنثى، وأين كانوا ومتى كانوا؟ مع أن الله تعالى لم ينص على شيء من ذلك، ولو علم فيه خيرا لنا لذكره. بل رأينا القرآن يذكر لنا اختلاف أهل الكتاب في عددهم، ما بين ثلاثة وخمسة وسبعة ثم يعقب على ذلك، فيخاطب الرسول بقوله: (قل: ربي أعلم بعدتهم، ما يعلمهم إلا قليل، فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا، ولا تستفت فيهم منهم أحدا) ، فلم يصرح الله تعالى بعددهم وهو أعلم به، ونهى الرسول أن يتعمق في الجدال معهم، تعليما للأمة ألا يشغلوا أنفسهم بمثل هذا الخلاف والجدال.

ومن هذا اللون من الأسئلة ما يثيره بعض المتفقهين حول الأمور الغيبية: بأي لغة يتكلم الناس في القبر؟ بالسريانية؟ أم بالعربية؟ أم بغير هذه وتلك؟

ولقد كان الفقيه التابعي الجليل الإمام عامر الشعبي يستخدم النكتة اللاذعة في الرد على هذا اللون من الأسئلة الغريبة.

سأله أحدهم يوما عن زوجة إبليس!! فقال: ذاك عرس لم أشهده!

وسأل آخر: كيف يخلل لحيته في الوضوء وهي كثيفة؟ فقال له: انقعها من الليل!

وقد اتبعت هذه الطريقة نفسها في بعض الأحيان مع بعض الناس.

قال لي بعضهم يوما وأنا ألقي درسا في المسجد وهو يتفاصح ويتعالم يا سيدنا الشيخ، ما اسم أخت سيدنا موسى التي ذكرها الله في القرآن؟

فقلت له: مالك ولها؟ أتريد أن تخطبها؟!! هب أن اسمها مريم أو زليخا أو مارية هل يفيدك هذا شيئا؟ إن الله لم يذكر لنا اسمها حين قص علينا أمرها ورسوله صلى الله عليه وسلم لم يبين لنا: ما اسمها، فلماذا نجهد أنفسنا ونعنيها فيما أراحنا الله منه، لا نفع لنا فيه؟!

وسامح الله بعض المفسرين الذين يبدئون ويعيدون في تعيين هذه المبهمات، وذكر الأقوال المروية فيها على اختلافها، وكلها إسرائيليات لا قيمة لها في ميزان العلم الحق، ولا ثمرة لها في دين الله، ولا دنيا الناس.

.......................

*  من كتاب "الفتوى بين الانضباط والتسيب" لفضيلة الشيخ.