كانت الوسائل الإعلامية للإخوان محدودة؛ لأن هذه الوسائل تحتاج إلى أموال، والإخوان معظمهم فقراء، لهذا كانت وسيلتهم الإعلامية الوحيدة هي المجلة الأسبوعية (الإخوان المسلمون) التي يرأس تحريرها الأستاذ صالح عشماوي، ويحرر مادتها عدد من كتاب الإخوان ودعاتهم متطوعين، لا يلتمسون أجرا إلا من الله تعالى.

 

وكانت هذه المجلة تقوم بدور طيب في توعية الإخوان وتثقيفهم، وعن طريق هذه المجلة ومقالاتها تعرفت على عدد من دعاة الإخوان، الذين صار لهم شأن فيما بعد، أولهم الشيخ محمد الغزالي، الذي سماه بعضهم (أديب الدعوة الإسلامية) والذي كانت مقالاته قطعا من الأدب الإسلامي النابض بالحياة، الذي يشف ويصفو كأنه البلور، ويتوقد غيرة وثورة كأنه التنور. ولقد انعقدت بيني وبينه مودة عميقة، وإن لم أره.

 

والعجيب أني لم أكن أحسب محمد الغزالي من مشايخ الأزهر، فقد قرأت لعلماء الأزهر في مجلة (الإسلام) وغيرها، فكانت موضوعاتهم غير موضوعاته، وأسلوبهم غير أسلوبه، وروحهم غير روحه، ولم أعرف أنه أزهري حتى وقع مرة على إحدى مقالاته: محمد الغزالي الواعظ. وحسبت أن كلمة (الواعظ) هذه لقبا لعائلته، فقالوا لي: إنه شيخ أزهري معمم معروف.

 

وثاني هؤلاء الدعاة الذين عرفتهم عن طريق المجلة: الأستاذ عبد العزيز كامل، الذي كان يكتب تحت عنوان (في صميم الدعوة) مقالات توجيهية تربوية، تهدف إلى تصحيح مفاهيم الدعوة عند الإخوان، ودفعهم إلى السلوك القويم، والبذل من أجل الدعوة والتآخي عليها. وكان له نفس خاص في مقالاته، لا يكاد يوجد عند غيره.

 

وكان الأستاذ البنا أحيانا ما يكتب افتتاحيات هذه المجلة بمقالات دعوية حية بأسلوبه السهل الممتنع، فتنير العقول، وتثير العواطف، وتدفع الهمم إلى العمل.

وغالبا ما كان يكتبها الأستاذ صالح عشماوي بأسلوبه الصحفي السلس، معلقا على أحداث الساعة في الساحة الإسلامية.

 

وبعد اشتعال القضية الوطنية، قضية الجلاء ووحدة وادي النيل، والقضية العربية وعلى رأسها قضية فلسطين التي يزداد كل يوم إحكام فتل الحبل حول عنقها من الصهيونية العالمية، المؤيدة بالاستعمار الغربي بشقيه الرأسمالي والشيوعي، والقضية الإسلامية في أرجاء الوطن الإسلامي من المحيط إلى المحيط، الذي هب من رقدته ينشد التحرر من نير الاحتلال الأجنبي..

 

بعد اشتعال القضايا كلها، وبروز الإخوان قوة إيجابية فاعلة على هذه الساحات، كان لا بد لهم من منبر إعلامي يومي، يجلي مواقفهم، ويعبر عن وجهة نظرهم، ويدافع عنها، فكانت صحيفة (الإخوان المسلمون) اليومية التي ظهر أول عدد منها في في يوم الأحد الثالث من جمادى الآخرة سنة 1365هـ - 5 من مايو سنة 1946م. وكتب الأستاذ البنا افتتاحيتها (مطلع الفجر) أعلن فيها عن فلسفة الجريدة وسياستها.

 

كما كان الأستاذ يلقى القراء فيها صباح كل جمعة بحديث الجمعة، وهو حديث نوراني، يحمل نفحة روحية، تخاطب القلوب، وتزكي النفوس، وتسعى إلى الرقي بالإنسان من دنيا الطين والحمأ المسنون إلى عالم "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" (الحجر: 29)

 

كما كان يلقاهم، كلما جد الجد، وحزب الأمر، واقتضى سير الأحداث أن يصدر بيانا، أو يكتب شيئا يوضح الحقائق، ويزيح الشبهات.

وقد قام برئاسة تحريرها الكاتب الإسلامي المعرفة، العالم المحقق السيد "محب الدين الخطيب"، صاحب مجلة "الفتح" ومجلة "الزهراء" الإسلاميتين الرائدتين في عالم الصحافة الإسلامية.

 

وقد فرحنا نحن الإخوان بهذه الجريدة، وسعينا إلى شرائها، برغم أن معظمنا لا يملك قرش الصاغ الذي هو ثمنها، فيما أذكر.

وكانت هذه الجريدة عبئا على الجماعة، فمن المعلوم أن مثل هذه الصحف اليومية لا تستطيع أن تستمر وتصمد إلا بأمرين:

أولهما: الإعلانات المكثفة، التي تغطي نفقاتها الكثيرة.

وثانيهما: الدعم الخارجي من جهة من الجهات.

 

أما الأول، فقد كان محدودا جدا، لأن صحيفة الإخوان لا يمكن أن تعلن عن شيء محرم، أو يشتمل على محرم، أو حتى مختلف فيه كالسجائر ونحوها. وكثير من أصحاب الإعلانات يذهبون إلى الصحف الكبرى كالأهرام.

 

وأما الثاني، فلم تكن هناك أي جهة تدعم الإخوان، وكيف يتصور ذلك والحكومة تحاربها، والاستعمار يحاربها، وكل القوى الخائفة من الإسلام والحاقدة عليه تحاربها؟ ولو تقدمت جهة من هذه الجهات للإخوان بالمساعدة لرفضتها يقينا؛ ولهذا حين صادرت الحكومة هذه الجريدة بعد زمن، حزن الإخوان ظاهرا، وحمدوا الله باطنا، فقد انزاح من فوق ظهورهم حمل ثقيل.

 

مجلة الشهاب:

في سنة 1947م فكّر الأستاذ البنا في إصدار مجلة علمية شهرية، تخلف مجلة (المنار) الشهيرة التي كان يصدرها السيد رشيد رضا، وتولى إصدارها من بعده الأستاذ البنا، وأخرج منها ستة أعداد ثم توقفت بقرار من الحكومة المصرية بسبب الحرب.

 

يبدو أن الإمام البنا عليه رحمة الله، شعر بأن الإخوان في حاجة إلى (ثقافة إسلامية معمقة) تملأ الفراغ الثقافي لدى الإخوان، الذين اكتفى كثير منهم بما قرأه في رسائل الأستاذ، وفي الصحيفة اليومية، والمجلة الأسبوعية.

 

وبين الأستاذ في مقدمة المجلة أن أول ما نعنى به من القضايا:

1- محاولة عرض الأحكام الإسلامية عرضا مبسطا شاملا، يوافق أسلوب العصر.

2- ومحاولة تقديم الإسلام كنظام اجتماعي كامل (في مقابلة الرأسمالية والشيوعية) لا مجرد دين نظري لاهوتي.

3- والدفاع عن أحقية عقيدة (الإيمان بالله) (في مواجهة الفلسفات المادية).

4- والانتصار للروح الإنساني (في مقابلة من يعتقد أن الإنسان مجرد حيوان متطور).

 

وبهذا تسهم المجلة في توسيع وتعميق ثقافة الإخوان، ومن يتأثر بهم من المسلمين، وأعتقد أن الأستاذ كان صائب الفكرة في ذلك، فقد طغى الجانب التكويني العملي والسلوكي لدى الإخوان على الجانب العلمي والثقافي. أقصد الثقافة العميقة والمنهجية.

 

ومن قرأ العدد الخاص الذي أصدرته جريدة (الإخوان المسلمون) اليومية، بمناسبة مرور عشرين عاما على تأسيس دعوة الإخوان، ولاحظ قائمة الإنتاج الثقافي والعلمي لدى الجماعة، وجدها متواضعة جدا، بالنظر إلى جماعة واسعة الانتشار كالإخوان، عدها المؤرخون (كبرى الحركات الإسلامية الحديثة) كما قال الدكتور "إسحاق موسى الحسيني".

 

ولم يكد يوجد بعد رسائل الأستاذ، وهي رسائل دعوية صغيرة الحجم، معظمها كتب بوصفها مقالات توجيهية، إلا كتب علمية محدودة، مثل: "تذكرة الدعاة" للبهي الخولي، و"الإسلام وأوضاعنا الاقتصادية"، و"الإسلام والمناهج الاشتراكية" للشيخ محمد الغزالي، وجل الكتابات الأخرى خفيفة الوزن، مثل كتابات الأساتذة "أحمد أنس الحجاجي"، و"محمد لبيب البوهي"، و"صابر عبده إبراهيم" وأمثالهم، على ما لهم من فضل، رحمهم الله وجزاهم خيرا.

 

من أجل هذا صدرت مجلة الشهاب على أساس أن تكون شهرية، وكان الأستاذ البنا صاحب الامتياز ورئيس التحرير المسؤول، وكلّف تلميذه وزوج ابنته الداعية المعروف الأستاذ سعيد رمضان بإدراة تحريرها، وقد صدر العدد الأول منها حافلا بالمقالات العلمية والفكرية في شتى أبواب الثقافة الإسلامية المعروفة، من العقيدة والتفسير والحديث وعلومه، والفقه والتشريع، وأصول الإسلام كنظام اجتماعي.

 

وقد حرر الأستاذ البنا بقلمه معظم الأبواب، فكتب في العقيدة بادئا بالعقيدة في (الله) والأدلة على وجوده، وكتب في التفسير بادئا بمقدمة فيه، ثم بدأ بفاتحة الكتاب ثم البقرة، بعد أن كان قد بدا له أن يبدأ من حيث انتهى الشيخ رشيد رحمه الله.

 

وكتب في علوم الحديث في (الرواية والإسناد) ، وترك لوالده الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا صاحب ترتيب المسند (الفتح الرباني) أن يأتي بمختارات من متون الحديث في كل عدد، مبتدئا بأحاديث فضل الجهاد في سبيل الله، وكتب في (أصول الإسلام كنظام اجتماعي) مفتتحا بـ (السلام في الإسلام) ومشروعية الجهاد فيه، كما كتب في التاريخ في فتح بيت المقدس (على أسوار إيلياء).

 

وترك لإخوانه في مصر والبلاد العربية أن يكتبوا في الموضوعات الأخرى، فكان القاضي الفاضل الفقيه الأستاذ "عبد القادر عودة" يكتب في (الفقه الجنائي) وأسرار التشريع فيه. وقد أصدر فيه بعد ذلك موسوعته الشهيرة (التشريع الجنائي الإسلامي) في مجلدين، أما مصادر التشريع فقد كان يكتب فيها المستشار "محمد الشافعي اللبان".

 

وقد ابتكرت المجلة بابا نافعا، سمته (سجل التعارف الإسلامي) تذكر في كل عدد منها جملة أسماء لأعلام في العلم والدعوة والفكر مع صورة شمسية لكل واحد منهم، وتحت الصورة تعريف موجز مركز عن هذه الشخصية.

 

من هؤلاء الأعلام الأساتذة: "حسن الهضيبي"، و"محمد أبو زهرة"، و"علي الخفيف"، و"مصطفى السباعي"، و"مصطفى الزرقا"، و"عباس العقاد"، و"محب الدين الخطيب"، و"عبد القادر عودة"، والأستاذ "معروف الدواليبي"، و"محمد المبارك"، وغيرهم.

 

وقد حيا عدد من الشعراء المجلة بقصائد حية، منهم الشيخ "الباقوري"، والأستاذ "محمد الأبشيهي"، والأستاذ "أبو النجا"، وكانت أهم هذه القصائد قصيدة الشاعر الكبير "محمود غنيم"، والتي يقول فيها:

أرسل وميضك يا شهاب * واكشف عن الحق الحجابْ

رنت المحاجر واشرأبت * نـحـو مـطلعك الرقـاب

 

إلى أن قال:

حـييت فـيك عصـابة * لبسـوا على الطهـر الثياب

ومضوا على سنن الهدى * والدين في شـرخ الشـباب

وفي الكـريهة أُسْـدُ غـاب * وفي الكـريهة أُسْـدُ غـاب

ليـس الـدين عـندهـم * محض السـجود والاقتراب

وتبتّل الـرهـبـان فـي * ربـع مـن الـدنيا خـراب

الدين زهـد واحـتسـاب * وهـو ســعي واكتسـاب

الـدين أجـنحـة محلقـة * عـلى مـتن السـحــاب

الدين كل الدين تـحـريـر * الحـمى مـن الاغـتصـاب

 

صدر من هذه المجلة المباركة خمسة أعداد، ولم تكن ملتزمة بمواعيدها المقررة للصدور، لانشغال الأستاذ البنا؛ ولأن الأمور بدأت تتطور تطورا خطيرا، ولا سيما في قضية فلسطين، وبدأت الحكومة تشدد الخناق على الإخوان، وترهقهم عسرا، تمهيدا للكيد الكبير الذي يكاد لهم. والله من ورائهم محيط.