حظيت بالاستماع إلى الشيخ الإمام حسن البنا، منذ كنت طالبا في السنة الأولى الابتدائية، كما تحدثت عن ذلك في حينه، وأعجبت بشخصية الرجل، وملك حبه قلبي، وإذا كانوا في عالم العشاق يتحدثون عن الحب من أول نظرة، ففي عالم الدعوة يمكن أن نتحدث عن الحب من أول كلمة.

 

لقد تعلق فؤادي بحسن البنا، تعلق المريد بالشيخ، والتلميذ بالأستاذ، والجندي بالقائد، وإن كنت لم أصبح جنديا في جماعته إلا بعد ثلاث سنوات، ولكني كنت أترقب قدومه إلى طنطا، لأسعى إلى الاستماع إلى حديثه المتفرد، وقد جاء مرة إلى طنطا لإحياء ذكرى الإسراء والمعراج، وسمعت منه ما لم أسمع من غيره في هذه المناسبة.

 

وأهم ما نبه عليه في هذه المناسبة: التذكير بقضية المسجد الأقصى، منتهى رحلة الإسراء، ومبتدأ رحلة المعراج، وواجب الأمة المسلمة نحو مقاومة المشروع الصهيوني، وقد كان الرجل من القلائل الذين أدركوا خطر الصهيونية، وحذروا منه وأنذروا في وقت مبكر، وكان يعيش في قضية فلسطين، أو قل: تعيش فيه قضية فلسطين.

 

على أن أعظم زيارة لمدينة طنطا، تجلت فيها عبقرية حسن البنا، وتحدث فيها فأبلغ وأبدع وأشبع، كانت حين عقد المؤتمر العام للإخوان المسلمين لشرح المطالب القومية. وكان هذا أحد مؤتمرات الإخوان التي تعقد في عواصم المديريات في مصر لشرح الأهداف الوطنية، التي هبت الأمة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية للمطالبة بها.

 

أقيم سرادق كبير في ميدان البلدية بطنطا، حضره جم غفير من أبناء طنطا ومن إخوان الغربية من مراكزهم المختلفة، وتحدث فيه عدد من خطباء الإخوان، منهم الأستاذ أحمد السكري وكيل الإخوان، والأستاذ نصيف ميخائيل، وهو باحث قبطي مصري كان يصطحبه الأستاذ البنا في مؤتمراته المختلفة، ليتحدث عن قضية قناة السويس وحق مصر فيها، وهو من المتخصصين في هذا المجال الذي يهتم به البنا ويعرف قيمته.

 

وكان يهدف بهذا إلى تجميع عنصري الأمة من المسلمين والأقباط لمواجهة الاستعمار البريطاني، وقطع الطريق على الذين يصيدون في الماء العكر، ليفرقوا بين أبناء الشعب الواحد، وإشعال نار الفتنة الدينية بينهما. وكان الأستاذ البنا على وعي بألاعيب الاستعمار الذي جعل شعاره: (فرق تسد)؛ فكان على صلة حسنة بزعماء الأقباط، حتى أشرك بعضهم في اللجنة السياسية للإخوان.

 

وبعد أن تحدث الخطباء والشعراء، جاء دور الإمام البنا، الذي انتظرت الجموع الحاشدة كلمته بفارغ الصبر، وشديد الشوق.

وقام حسن البنا ليعلن: أنه سيتحدث في أمور ثلاثة: قضيتنا، وسليتنا، دعوتنا.

 

قال: أما قضيتنا، فأقصد بها قضية (الوطن): الصغير، والكبير والأكبر.

وبين ما يريد بالوطن (الصغير) وهو: وادي النيل، بشماله (مصر) وجنوبه (السودان) وقال: إنه يعتبر مصر هي السودان الشمالي، والسودان هو مصر الجنوبية، وحدد الهدف القومي بالنسبة لهما في أمرين: الجلاء التام (أي جلاء جيش الإنجليز) عن وادي النيل كله برا وبحرا وجوا، وتركه لأهله يحكمونه كما يشاءون. ووحدة هذا الوادي تحت علم واحد، وملك واحد، وحدة سياسية واقتصادية وثقافية وتعليمية.. إلخ.

 

أما الوطن الكبير، فيشرحه البنا بأنه (الوطن العربي) ويحدده بأنه من الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي. ولم يكن مصطلح (الخليج العربي) قد ظهر بعد. كما أصبح يقال بعد: من الخليج الثائر إلى المحيط الهادر. وكان كلام البنا أول كلام محدد أعرف به حدود الوطن العربي.

وأما الوطن الأكبر، فهو (الوطن الإسلامي) من المحيط إلى المحيط، أي من المحيط الهادي إلى المحيط الأطلسي، أو من جاكرتا على المحيط الهادي إلى رباط الفتح على المحيط الأطلسي.

 

وكان هذا أول تحديد للوطن الإسلامي أسمعه، ولهذا تحدث عن إندونيسيا وضرورة تحريرها من الاستعمار الهولندي، وعن ضرورة تحرير تونس والجزائر ومراكش بلاد المغرب العربي، وكان يعبر عن المغرب في هذه الفترة بـ (مراكش).

 

وبين أن على الأمة الإسلامية بالتضامن أن تعمل على تحرير أوطانها كلها من كل سلطان أجنبي "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا" (النساء:141)

وأشار إلى ما ذكره الفقهاء من أنه: إذا أسرت امرأة في المشرق، وعجز أهل المشرق أن ينقذوها من أسرها، فعلى أهل المغرب أن يقوموا بذلك.

وأفاض الأستاذ البنا في قضية مصر، وشرح جذورها التاريخية، وحدد الأهداف الوطنية ـ كما قلت ـ في الجلاء والوحدة، ثم تحدث عن (وسيلتنا) في تحقيق أهدافنا والوصول إلى حقنا.

وبينها وسيلة بعد وسيلة، تبدأ بـ (المفاوضة) مفاوضة صاحب الحق لا المستجدي، ويجب أن تقف الأمة كلها وراء المفاوض، وعلى المفاوض أن يتجاوب مع نبض الأمة، ولا يستخزى ولا يستسلم أبدا.

 

فإن لم تجد (المفاوضة) لجأنا إلى (المقاطعة) مقاطعة الإنجليز اقتصاديا، لا نشتري منهم، ولا نبيع لهم، نحن المصريين والسودانيين والعرب والمسلمين عامة. فنقاطع كل بضاعة إنجليزية، وعلى علمائنا أن يصدروا الفتاوى الدينية القاطعة بتحريم الشراء من العدو؛ لأن ذلك تقوية له على المسلمين، وكل ما يقويه على المسلمين، لا يجوز له لنا أن نعين فيه.

 

وكل قرش يذهب إلى الخزانة البريطانية يتحول إلى رصاصة تقتل المصريين والسودانيين. وأشار إلى أن الشعب المصري (شعب قنوع) يستطيع أن يعيش على القليل، والأقل من القليل إذا كان ذلك في سبيل عزته وكرامته وحريته.

 

فإن لم تجد (المقاطعة) أو لم تكف، فلا بد من الوسيلة الأخيرة التي يفرضها الواقع، كما يفرضها الدين، وهي (الجهاد): أن نقاتل الإنجليز بكل ما نستطيع من قوة، وأن نجند رجالنا وشبابنا لذلك، وأن نربي أنفسنا لهذه الغاية، وأن نشيع روح الجهاد في الأمة، بدل روح الميوعة والخلاعة والخنوثة، التي تفعل في نفوس أبنائنا ما تفعل السموم في الأبدان.

 

والجهاد في هذه الحالة فرض عين على كل مصري وسوداني حتى يخرج الإنجليز من وطنه، وكل مواطن عليه أن يبذل ما يقدر عليه، والإخوان المسلون مستعدون أن يقدموا الآلاف من شبابهم فداء لوطنهم، الذي هو جزء عزيز من أرض الإسلام.

 

ثم قال الأستاذ: لقد كنت في مقتبل شبابي أقرأ بعض الأوراد التي تتضمن أذكارا وأدعية نتعبد لله بتردادها. وكان من هذه الأدعية دعاء يقول: اللهم ارزقني الحياة الحسنة، والموتة الحسنة، فما الموتة الحسنة أيها الإخوان؟ هل الموتة الحسنة أن تموت على سريرك بين أهلك وأولادك وذويك؟ إن الموتة الحسنة ـ كما أتصورها ـ أن يفصل هذا الرأس ـ وأشار إلى رأسه ـ عن هذا الجسد في سبيل الله!! وهنا ضج الجمع الحاشد بالتكبير والتهليل.

 

ثم تحدث الأستاذ رحمه الله عن المحور الثالث، وهو (دعوتنا)، مركزا الحديث حول (الدعوة الإسلامية) في هذا العصر، ومضمونها وأهدافها، وخصائصها. وكان الرجل مشرقا متألقا كأن كلامه تنزيل من التنزيل، أو أقباس من أضواء النبوة.

وانفض المؤتمر الكبير بسلام، ولا حديث للناس إلا عن حسن البنا، وفهم حسن البنا، وكلام حسن البنا.

 

والحق أن مؤتمرات الإخوان في عواصم المديريات المصرية لشرح القضية الوطنية، كانت إضاءات جديدة ومميزة في طريق العمل الوطني، وكان هدفها توعية جماهير الشعب بقضيته، وحشد قوى الأمة جميعها للوقوف في وجه الإنجليز، حتى يخرجوا من الوطن طوعا أو كرها، وتتحرر إرادة شعب مصر من كل سلطان أوربي.

 

وكان للطلاب والشباب دورهم المتميز والمؤثر في تجلية القضية الوطنية، وكشف الغبار عن وجهها، وإبرازها جلية سافرة لأبناء الوطن جميعا.

تجلى ذلك في طلاب المعاهد والمدارس الثانوية والابتدائية في أنحاء مصر، من الإسكندرية إلى أسوان. كما تجلى ذلك في طلاب الجامعة المصرية (جامعة فؤاد الأول) وهي الجامعة الوحيدة في مصر في ذلك الحين.

 

وكنا نتابع ـ ونحن في الأقاليم ـ ما يجري من الأحداث في القاهرة، وبين طلبة الجامعة خاصة، وكان رأس طلبة الجامعة، ولسانهم الناطق باسمهم، والمعبر عن إرادتهم، هو الطالب "مصطفى مؤمن" الطالب بكلية الهندسة، وهو خطيب سياسي مؤثر يسحر الطلاب ببيانه إذا خطب فيهم، ويشدهم إليه شدا.

 

وقد زار مصطفى مؤمن عددا من عواصم الأقاليم، للإسهام في تجنيد الطلبة للقضية الوطنية، وكان من العواصم التي زارها مدينة طنطا.

وقد احتفت به طنطا، واحتشد له جمع كبير من الشباب وغير الشباب، وأقيم له سرادق كبير، تكلم فيه أكثر من واحد، منهم الطالب محمود دبُّور بالمدرسة الثانوية.

 

كما ألقيت في هذا الحفل قصيدة وطنية، حييت فيها زعيم طلبة مصر مصطفى مؤمن، وقد ضاعت هذه القصيدة فيما ضاع من شعري القديم، ولا أذكر منها إلا أبياتا تتعلق بمصطفى مؤمن، أقول فيها:

حـييت فــيه لـحية سُنِّيَّة              أضفت عليه مهابة الحكماء

سوداء من شرخ الشباب كأنها      حظ اليهود الـغُبْر يوم لقاء

الشعر مـزدحم بها، فـكأنها          حكم، وذاك تزاحم الزعماء!

 

ثم كان مسك ختام الحفل كلمة الشاب الثائر المتوقد مصطفى مؤمن، الذي شرح قضية مصر بأسلوبه الخاص، الذي عبأ المشاعر حولها، وختم كلمته ببيتين من الشعر:

يا للرجال، أما من غضبة عمم

 تشفي الـصدور؟ وطغيان بطغيان

فحطموا القيد عن أيديكمو وثبوا

 فالموت والعيش تحت القيد سيان!

 

ولم يقصر مصطفى مؤمن جهده على داخل مصر، بل سافر بعد ذلك إلى أمريكا لحضور جلسة مجلس الأمن، مجتهدا أن يسمع المجلس صوت الشعب المصري. وإن كان هناك وفد رسمي مصري برئاسة رئيس الحكومة محمود فهمي النقراشي باشا.

 

الإخوان المسلمون والقضية الوطنية.. جهود وجهاد

ظللنا فترة مديدة من الزمن، والقضية الوطنية شغلنا الشاغل، وهمنا الأول، نبذل لها الجهود، ونحشد لها الحشود، ونجند لها قوى الأمة.

وأذكر أن مما ساهمت به في تلك الفترة ـ بجوار الخطب الثورية، وقيادة مظاهرات الطلاب ـ عددا من القصائد ألقيتها في دار الإخوان، أو في المعهد على الطلبة.

 

وقد ضاعت هذه القصائد فيما ضاع من شعري، ولكني أذكر أبياتا من قصيدة ميمية كان مطلعها:

غنَّى فأشجى السامعين وهاموا           ليت المغنِّي نائح لطام

 

وفيها أبيات تخاطب الإنجليز ساخرة:

يا أيها الأضياف! لا أهلا ولا

 سهلا، ولا ترحيب لا إكرام

الضيف إن تمر عليه صبائح

 يثقلْ، وقد مرت لكم أعـوام

غصت مساكننا بجندكمو، كما

 غصت قطـارات وغـص ترام

وغذت بطونكمو غلال بلادنا

 وبنو البلاد من الطوى قد صاموا

وغدت مصانعنا تحوك للبسكم

 والـعري فـينا قـاعـد قـوّام

إن القِرى إن لـم يكن بسماحة

 فـالـسمن سم، والـحَمام حِمَام!

 

وكان من (المشاريع المتخاذلة) التي جاهد الإخوان لإسقاطها (مشروع صدقي بيفن) الذي روج له رئيس الوزراء المشهور، والمعزول عن عواطف الشعب المصري من قديم، لما اشتهر عنه من استبداد وجبروت: إسماعيل صدقي باشا. وبيفن هو وزير خارجية بريطانيا في ذلك الوقت.

 

وقد أمهل الإخوان صدقي في أول الأمر، حتى ينظروا حصيلة ما عنده، ثم تمخض الجبل فولد فأرا، وربما (صرصورا)! فكان هذا المشروع الذي لا يحرر مصر تماما من ربقة الإنجليز، وقاومه الإخوان بوضوح وشراسة.

 

وقد خرجنا في مظاهرات، برغم منع المظاهرات في عهده، ولكن رتب الإخوان مظاهرات خرجت في الليل بعد صلاة العشاء، وانطلقت من أكثر من مكان لتلتقي في مسيرة حاشدة، اصطدمت رجال الشرطة، وقبض على عدد من المتظاهرين، وأودعوا أقسام البوليس، وكاد يلقى القبض علي، ولكن الله سلم.

 

وما زالت هذه المعارضة الشعبية من الإخوان ومن الأحزاب الأخرى حتى سقط مشروع "صدقي-بيفن" صريعا لليدين والفم ، وسقطت حكومة صدقي بعده .