ومما أذكره في هذه الفترة: ما بدأته من دروس فقهية في قريتنا، وأحسب أن ذلك كان بعد السنة الثانية الثانوية. وقد كانت دروسي في المرحلة السابقة (دروسا وعظية) هدفها الإرشاد إلى تثبيت الإيمان، وتصحيح المفاهيم الدينية، وتنمية القيم الأخلاقية والسلوكية، التي دعا إليها الدين، ومعتمد تلك الدروس: الرقائق ونصوص الترغيب والترهيب ونحوها، مما يزهد في الدنيا، ويذكر بالآخرة، ويرقق قلوب الناس.

 

أما هذه الدروس الجديدة، فكانت تدور حول (فقه الأحكام) وخصوصا العبادات، وبالأخص الصلاة. وكان الجديد في هذه الدروس يتمثل فيما يلي:

1- البعد عن الحشو والفضول وما لا حاجة حقيقية بالناس إليه، مثل الكلام عن المياه السبعة التي يجوز بها التطهير، والتي يبدأ بها كثير من كتب الفقه: ماء المطر، وماء النهر، وماء البحر، وماء البئر، وماء العين، وماء الثلج، وماء البرد. فلا حاجة إلى ذلك والمتوضئ يفتح الصنبور (الحنفية) فيجد الماء ويتوضأ.

 

2- تبني التيسير والتخفيف عن الناس ما وجد سبيل إلى ذلك، وهذا ما أشار إليه القرآن في ختام آية الطهارة "ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون" (المائدة:7)، وقال في ختام آية الصيام "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" (البقرة: 185).

وقال الرسول الكريم: " يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا " متفق عليه عن أنس. فمنهج التيسير نهج قديم عندي.

 

3- التحرر من التعصب لمذهب إمام بعينه، فإن الله لم يكلفنا باتباع إمام أو مذهب معين، إنما كلفنا اتباع كتابه وسنة نبيه. وعلينا أن نستفيد من جميع المذاهب، مرجحين منها ما كان أقوى دليلا، أيا كان القائل به، فالمسلم يتبع الحجة ولا يتبع الأشخاص غير المعصومين.

 

وقد كان المعتاد لعلماء قريتنا في دروس الفقه: أن يدرسوه على مذهب الشافعي، حتى العلماء الأحناف يدرسون الفقه على المذهب الشافعي، تأسيسا على أن مذهب عوام القرية هو الشافعي، مع أن مذهب المحققين من العلماء: أن العامي لا مذهب له، وإنما مذهبه مذهب من يفتيه.

 

ومن المعلوم أن مذهب الإمام الشافعي أشد المذاهب المتبوعة في العبادات، ولا سيما في مسائل الطهارة والنجاسة، حتى قال الإمام أبو حامد الغزالي في (الإحياء) معلقا على مذهب الشافعي ـوهو شافعيّ ـ في مسائل الطهارة: كنت أود أن يكون مذهبه في المياه كمذهب مالك، وقوى مذهب مالك بسبعة أوجه.

 

لهذا اخترت أن أدرس الفقه غير ملتزم بمذهب الشافعي، بل على طريقة (فقه السنة) للشيخ "سيد سابق"، وقد ظهر الجزء الأول منه في الطهارة، وقدّم له حسن البنا، و(الدين الخالص) للعالم الكبير الشيخ محمود "خطاب السبكي"، مؤسس الجمعية الشرعية في مصر.

 

وكان هذا النهج مخالفا لما ألفه الناس من علماء القرية قبلي، كما كان من ثمرته آراء جديدة، استغربها الناس في أول الأمر، وإن وجدوا فيها كثيرا من التيسير والتسهيل عليهم، مثل القول بأن كل ما يؤكل لحمه فبوله وروثه طاهر، وهو مذهب مالك، ورجحه ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة.

 

والقول بأن الماء إذا وقعت فيه النجاسة ـوإن كان قليلا ـ لا ينجس إلا بتغير طعمه أو لونه أو رائحته، فإن الله خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء، كما دل عليه حديث بئر بضاعة وغيره.

وكذلك القول بأن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه.

 

وقد أحدثت هذه الآراء ضجة في القرية، وعزّ على بعض الناس أن يخالفوا ما ألفوه وتوارثوه من قديم الزمان، وقال بعض العوام المتنورين من ملازمي المشايخ القدامى ودروسهم: كيف يخالف هذا الشاب الذي لا يزال طالبا كبار المشايخ من علماء المعاهد وكليات الأزهر، ويأتينا بهذه الآراء الجديدة والغريبة؟

 

واحتشد عدد منهم ليناقشوني، ورحبت بهذا النقاش، وقلت لهم: بيني وبينكم كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، وإني لا أختار رأيا في مسألة إلا وقد قال به إمام من أئمة المسلمين، فلا أخرج على إجماع أبدا. وكان أول مسألة جادلوني فيها هي قضية عدم نقض الوضوء بلمس المرأة. وقالوا: مذهب الشافعي هو الموافق للقرآن الذي قال: "أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا" (المائدة:7).

 

قلت لهم: اختلف الصحابة والتابعون في المراد باللمس أو الملامسة في هذه الآية، فأخذ ابن عمر بظاهر اللفظ، وأن اللمس أو الملامسة هو وضع البشرة على البشرة، وقال ابن عباس: المس واللمس والملامسة في القرآن كناية عن الجماع، ولكن الله تعالى حيي كريم يكني عما شاء بما شاء.

 

وابن عباس هو ترجمان القرآن، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه التأويل، ويؤيد تأويله قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً" (الأحزاب: 49)

 

فالمراد بالمس هنا: الدخول بالمرأة. وقد تكرر هذا في القرآن. ومثال ذلك قول مريم عليها السلام: "ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا" (مريم: 20)، ثم إن الآية على فهم ابن عباس تكون قد أشارت إلى الحدث الأصغر الذي كَنَّت عنه بقولها: "أو جاء أحد منكم من الغائط" ومن الحدث الأكبر، الذي كنّت عنه بقولها: "أو لامستم النساء" بخلاف الفهم الآخر، فلا يكون في الآية أي دلالة على التيمم من الحدث الأكبر.

 

ثم ذكرت لهم الحديث الذي يبين: أن عائشة رضي الله عنها لمست باطن قدم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في صلاته، ولم يخرج منها، ولو كان لمسها ناقضا للوضوء لخرج من الصلاة، وجدد وضوءه، والقول بأنه كان بحائل خروج عن الظاهر، لا دليل عليه.

 

ولو أخذنا بظاهر الآية "أو لامستم النساء"كما أخذ الشافعي، لوجب أن ينتقض الوضوء بلمس المرأة المحرم كالأم والأخت والابنة، لأنهن من النساء، كما هو رأي الظاهرية.

وبعد هذه المناقشة الساخنة، لم يجد المعارضون في أيديهم حجة، وقالوا: هل نستطيع أن نجادل أزهريا؟ قلت لهم: نحن أسرى الأدلة، فمن كان معه الدليل فهو الأقوى والأبقى.

وشاع هذا الفقه الجديد في القرية حتى بين نسائها، وإن كن لا يحضرن هذه الدروس، ولا سيما أن لمس المرأة ونقضها لوضوء الرجل، كثيرا ما كان يحدث مشكلة بين الرجال وزوجاتهم، وخصوصا في فصل الشتاء..

 

عندما يجيء الرجل من الحقل، ويذهب إلى المسجد، ويتوضأ لصلاة المغرب، ثم يصليها، ويعود إلى بيته للعَشاء كالعادة، وفي أثناء تقديم الطعام قد تلامس المرأة يد زوجها خطأ، وهنا يغضب الرجل، ويثور على امرأته التي أضاعت وضوءه، وهذا يكلفه وضوءا جديدا في هذا البرد الشديد، وكثيرا ما يقع شجار، ويشب حريق في البيت بسبب هذا الأمر. وقد حدثني بعض المستنيرين منهم أن فلانا من القرية كاد يحدث هذا الشجار بينه وبين زوجته بسبب هذا اللمس الخطأ، وما كاد يصرخ في زوجته حتى قالت له: هوِّن عليك. صل على مذهب الشيخ يوسف!

والحقيقة أنه ليس مذهب الشيخ يوسف، إنما هو مذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه، بل هو مذهب الإمام مالك وأحمد فيمن لمس بغير شهوة. كما في هذه القضية.

 

رخصة (القبانية) وتجارة القطن.. لا أجيد التجارة أبدا

ومن المهارات التي اجتهدت في الحصول عليها في أواخر المرحلة الثانوية: الحصول على (رخصة القبانة) أو القبانية، ولها إجراءات وتعقيدات وامتحانات حتى يحصل المرء عليها من طنطا.

وهذه الرخصة تمكن صاحبها من وزن (القطن) الذي يشتريه التجار من الفلاحين، في مقابل أجر، وإعطاء ورقة مختومة بمقدار وزن القطن بالكيلو جرام مضروبا في سعر القنطار، لمعرفة قيمة الصفقة بالجنيهات والقروش المصرية. وهذه الورقة التي يصدرها القباني معترف بها لدى البائع والمشتري والجهات الرسمية.

 

وكان هذا موردا إضافيا، اشتغلت بها موسما واحدا في إطار الأقارب والجيران، والأصدقاء، ثم تغيرت الأمور، فلم أكررها، مع أنه كلفني شراء (قباني) وما يعلق عليه.

وفي تلك الفترة ـ أو بعدها ـ دخلت في تجارة (القطن بالقطَّاعي) أنا وصديقي السيد مولانا، نشتري من الأفراد ما يريدون بيعه من الصفقات الصغيرة للقطن، التي يبيعها الفلاحون عادة لمحلات شراء القطن الصغيرة، ونحن بدورنا نبيعها كل فترة للتجار الكبار، ونكسب من الفرق بين الشراء والبيع.

 

ولكن لتجارة القطن مفاجآت في العلو والهبوط، فهي غدارة كالدنيا، وأذكر أننا بعد أن كسبنا كسبا طيبا، نزل السعر في السوق نزولا حادا، فضاع ما ربحناه، ورجعنا نقول: كأنك يا بوزيت ما غزيت!

 

وباء (الكوليرا).. البسطاء لا يجدون الدواء!!

في سنة 1946م هجم على مصر وباء كاسح، يصيب الإنسان وهو في عز شبابه وصحته، فيمتص من جسمه الماء، عن طريق القيء من فوق، والإسهال من تحت، ذلك ما عرف باسم داء (الكوليرا) الذي انتشر في مصر كلها انتشار النار في الهشيم.

 

وقد بدأ في قرية (القرين) بالشرقية، التي تصدِّر البلح إلى أنحاء مصر، فعجّلت بنشر الوباء بسرعة البرق، والقرين هذه بجوار معسكرات الإنجليز في منطقة الشرقية؛ ولذا قال الناس: إن الإنجليز هم الذين صنعوا هذه الكارثة. وصل هذا البلاء إلى قريتنا، وأخذ الناس يتساقطون، ولا يكادون يجدون من الأدوية (الأمصال) وأدوات الإسعاف ما ينجدهم.

 

ولا سيما أن الناس في القرى يخافون من المستشفيات، ويفضلون في مثل هذه الحالات أن يموت الإنسان في بيته وبين أهله، أستر له، وأصون له من موته خارج بيته، وخصوصا أنه ينقل إلى مستشفى المحلة الكبرى. على أن مستشفيات المحلة ضاقت بالواردين إليها.

 

وبعثت وزارة الصحة بـ (الأمصال) الواقية، وكان بعض الناس يتردد في تناولها، لولا فتاوى العلماء، بأن تركها حرام، وإلقاء بالنفس إلى التهلكة، وأن الله الذي أنزل الداء أنزل الدواء. ومع هذا تقاعس بعض الناس عنها.

 

وفي عدة أيام صرع الموت في قريتنا ما يقارب الأربعين شخصا، معظمهم من الرجال. وفي حارتنا الصغيرة توفي حوالي خمسة، منهم اثنان من أقاربي: ابن عمي الأكبر، وزوج ابنة عمي.

توفي زوج ابنة عمي أولا، فذهب ابن عمي ودخل عليه، واشترك في تغسيله، وحمله للدفن، دون أي احتياط، وكان رحمه الله مجازفا، جريئا، لا يبالي بالعواقب، فأصابته العدوى، وما أسرعها، وما هي إلا أيام قضاها حتى ودع الحياة: قبل أن يتم الأربعين من عمره، وودعته بقصيدة حزينة، ضاعت فيما ضاع، لا أذكر منها إلا أنها تائية من بحر الطويل.

 

وكان ابن عمي هو في الوقت نفسه زوج خالتي الصغرى، التي تركها أرملة، وفي بطنها جنين، ولد بعد أشهر، طفلة سميت باسم أمي، وكانت تبدو عليها مخايل الذكاء وهي رضيعة. وقدر الله أن تقضي عليها نزلة شديدة لم يحسن الطبيب علاجها، فماتت وهي في الثانية من عمرها.

 

إن الـطبيب لـه علم يُدِلُّ به    ما دام في أجل الإنسان تأخير

حي إذا ما انقضت أيام مدته  حار    الطبيب وخانته العقاقير