سؤال من الأخت أم عبد الله، تقول: أنا أم لثلاثة أطفال، ولكن يقلقني أمر حدث لي، وهو أن أبي كان مريضًا وعلى فراش الموت، وطلبني لرؤيته، ولكني لم أكن أُحِس بقرب موته، فتكاسلت عن الذهاب إليه، حتى توفاه الله عز وجل، وبعد ذلك ندمت أشد الندم، وحزنت أشد الحزن على أني لم أذهب إليه رحمه الله قبل موته، فماذا أستطيع أن أفعل حتى أُكفِّر عن ذنبي هذا؟ فأنا أتعذَّب كثيرًا كلما ذكرت هذا الموضوع، أرشدني أفادكم الله.

جواب فضيلة الشيخ:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد..

لا شك أن الأخت أخطأت خطأ كبيرًا في حق أبيها، فعيادة المرضى هذه من أعظم القربات إلى الله تبارك وتعالى، والإنسان الزائر لا يزال كأنه يخوض في رحمة الله كلما ذهب إلى مريض وسأل عنه، وعيادة المريض من حقوق المسلم على أخيه المسلم، فما بالك بالأب؟ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس"(1). وعن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من عاد مريضًا لم يزل في خُرفة الجنة". قيل: يا رسول الله، وما خُرْفة الجنة؟ قال: جناها"(2). فكيف إذا كان هذا المريض هو الأب؟ وكيف إذا كان الأب هو الذي طلب من ابنته أن تزوره وأن يراها؟ لعله كان مشتاقًا إلى أن يمتع نفسه برؤيتها قبل الوفاة!

الأب في هذه الحالة من المرض، وعلى فراش الموت، والمفروض أن أبناءه وبناته يكونون حوله وبالقرب منه ما أمكنهم!

ربما تعللت الأخت السائلة بأنها متزوجة وعندها ثلاثة أطفال، وأنها كانت مشغولة، لكن هل تعجز أن تذهب لرؤية أبيها بعد أن طلب رؤيتها؟! فلا شك أنها أخطأت خطأ كبيرًا حينما تقاعست وتكاسلت ولم تهتم بهذا الأمر.

الله تعالى يقول: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء:23-24]. ويقول سيدنا الحسين بن علي: لو علم الله في العقوق شيئًا أدنى من أفٍّ لحرَّمه(3). كلمة أفٍّ هذه ليست كلمة سب ولا شتم، إنما هي كلمة تضجُّر، يعني: لا ينبغي للإنسان أن يظهر التضجر لأحد أبويه ويقول لهما: أف.

الأب طلب رؤية ابنته، فكان عليها أن تذهب إليه، خصوصًا أن زوجها لم يمنعها، لو منعها زوجها عندما أرادت أن تذهب لقلنا بأنها معذورة؛ لأن زوجها هو الذي منعها. وما ينبغي للزوج أن يمنع زوجته من بر والديها، وزيارة والديها، فالمسؤولية مسؤوليتها.

أما وقد حصل هذا، فما الحل؟ لو كان الأب حيًّا لقلنا: يجب عليها أن تسترضيه وتطلب منه السماح. لكنه مات، والحق حقه، فليس لها إلا أن تتضرع إلى الله أن يسامحها، وأن يجعل والدها يسامحها، وتحاول أن تعوض هذا ببر الوالدين بعد الوفاة، فهناك بر للوالدين بعد موتهما، فقد سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم قال: هل بقي من بر أبويَّ شيء أبرُّهما به بعد موتهما؟ قال: "نعم، الصلاةُ عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذُ عهدهما مِن بعدِهما، وصلة الرحم التي لا تُوصَل إلا بهما، وإكرام صديقهما"(4).

الصلاة عليهما، يصلي عليهما صلاة الجنازة، ويدعو لهما ويستغفر، {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم:41]. يدعو الله سبحانه وتعالى لهما باستمرار: {رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء:24].

ويكرم أصدقاء والديه؛ لأن المفروض أن أحباب الأم والأب يكونون أحبابًا للأولاد أيضًا، فتكرم أصدقاء الأب، وتكرم صديقات الأم، ويصل الرحم التي لا توصل إلا بهما، فيكرم عمَّه، يزوره ويحسن إليه، وكذلك عمَّته أخت أبيه، يزورها ويحسن إليها؛ لأن هذا يرضي الأب ولا شك، وكذلك خالته وخاله، وجده وجدته لأبيه وأمه. يكرم الأقارب من جهة الأب ومن جهة الأم، وكذلك إذا كان الأب أو الأم عهِد أو أوصى بشيء ينبغي أن ينفذ هذا العهد أو هذه الوصية.

فعلى الأخت أن تجتهد في الدعاء والاستغفار لأبيها، وتتصدق عنه، وتواظب على ذلك، وتكرم أصدقاءه وأقاربه، ولو كان الأب أوصى بشيء تنفذ هذه الوصية، عسى الله أن يرضى عنها، ويجعل والدها يرضى عنها،  وهذا يكفِّر عنها ما قصرت في حق أبيها إن شاء الله.

............

(1) متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (1240)، ومسلم في السلام (2162)، عن أبي هريرة.

(2) رواه مسلم في البر والصلة (2568)، وأحمد (22389)، عن ثوبان.

(3) الفردوس بمأثور الخطاب للديلمي (3/353).

(4) رواه أحمد (16059)، وقال مخرجوه: إسناده ضعيف، وأبو داود (5142)، وابن ماجه (3664)، كلاهما في الأدب، والحاكم في البر والصلة (4/154)، وصحح إسناده ووافقه الذهبي، عن أبي أسيد الساعدي.