الشيخ القرضاوي وسط أبنائه وتلاميذه

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتبع هداه.

(وبعد)

إن من خصائص هذه المدرسة (مدرسة تلاميذ القرضاوي): أنها تعيش في هموم الأمة، فليس بعالمٍ مسلم من يعيش للكتب فقط، ومهمته أنه يقرأ، لا بد من القراءة، ولا بد من الكتابة، ولا بد من أن يجمع بين الحفظ والفهم، لا أريد أن أقلل من قيمة الحفظ كما يقول بعض الناس: إننا لسنا في زمن الحفظ! لا، بل لا بد للعالم من الحفظ، إذا لم يكن العالم يحفظ القرآن، و يحفظ الأحاديث، بماذا يبلغ الناس؟! هل يذهب إلي الكمبيوتر وهو على المنبر؟! يجب أن يحفظ بعض الأحاديث، وبعض الحكم، وبعض الأشعار، لا بد ولكن من المهم كذلك: أن يُعنى بهموم الأمة. "مَن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم".

نحن جزء من هذه الأمة، والعالِم عليه مهمة كبيرة، أن لا ينفصل عن أمته ولا ينعزل عن همومها وقضاياها، وهذا ما جعلني أهتم بقضايا المسلمين، كل المسلمين، في آسيا، في أفريقيا، في أوروبا، الأقليات المختلفة، وهذا ما جعلنا نقيم مجلسا للإفتاء والبحوث في أوربا، فقد كانت من أهم أهدافه الإفتاء للأقلية المسلمة هناك.

بعض إخواننا - سامحهم الله - عابوا علينا هذا، وأن الفتوى لا تتغير بتغير المكان، وأنه لم يقل أحد بهذا إلا ابن القيم، مع أن المكان يؤثر في الإنسان كما يؤثر فيه الزمان، الإنسان يعيش في مكان وزمان، لماذا يؤثر الزمان ولا يؤثر المكان؟! ومَن يعيش في دار أرض الإسلام غير مَن يعيش في غير دار الإسلام، والبدوي غير الحضري، حتى إن له أحكام خاصة في بعض الأمور، والحديث يقول: "من بدا جفا"، فجعل العيش في البادية يؤثر في طباع الشخص فيكون عنده شيء من الجفاء.

فنحن نقول: إننا نهتم بهذه القضايا كلها، ونرى أن هذه المدرسة تهتم بقضايا المسلمين، في كل مكان، لا تهمل مكانًا دون مكان، وهذا ما جعلني أهتم بقضية فلسطين، القضية المحورية، قضية الأمة الإسلامية الأولى، وقضية كشمير وقضية أفغانستان، وشاركتُ في قضية أفغانستان، حتى أني ذهبتُ للصلح بين الأخوة الأفغانيين، وكانوا أوشكوا  أن يختلفوا، خصوصًا الأربعة الذين كانوا متقاربين فيما بينهم: عبد الرسول سياف، وحكمتيار، وبرهان الدين رباني، ويونس خالصي. كادوا يختلفون، وذهبت وكان الذي ذهب بي أخونا الداعية المعروف الشيخ عبد المجيد الزنداني، وقال لي: لقد أرسلك الله لتُصلح بين الإخوة. وكنتُ قد أصابتني الآلام في ظهري، قلتُ له: أنا لا أستطيع أن أتحرك، والأطباء قالوا لي: تجلس على ظهرك على شيء خشن: خشب أو غيره، وأنا لا أستطيع أن أذهب إلى بيشاور. والشيخ عبد المجيد الزنداني سواق حُطَم، فقال: توكَّل على الله وهو شافيك. وذهبتُ إلى هؤلاء الأخوة، وأنا والله، ما اجتمعتُ معهم إلا وأنا نائم على ظهري، واتفقتُ معهم على اتفاقات كتبتُها بيدي، ثم سافرتُ وأنا لا أكاد أستطيع أن أمشي على قدمي، وإن كانوا - سامحهم الله- بعد ذلك أضاعوا هذه الاتفاقات.

فأنا أهتم – والحمد لله - بقضايا الأمة الإسلامية، وأنصح أبنائي وتلاميذي أن يرثوا هذا عني مما يرثونه، نحن حريصون على أن نورث العلم والفكر والمنهج، ونورث الروح أيضًا، فأنا أريد أن تكون روح أبناء هذه المدرسة هي الروح الإسلامية، التي تهتم بقضايا الأمة صغيرها وكبيرها. وهذا ما جعلني أهتم بكل القضايا.

اهتمامنا بقضيتنا الحالية: ثورة ومصر:

وحينما قال لي بعض الناس: نراك مهتمًا بقضية تونس كأنك تونسي؟! قلت: نعم، أنا تونسي وأنا مغربي، وأنا مصري وأنا قطري، وأنا باكستاني وأنا كل الأمة الإسلامية، هكذا ينبغي أن نحمل هم الأمة الإسلامية في كل مكان. هذا ما جعلني أحمل همَّ الشباب الذي وقف في ميدان التحرير في مصر، وقف في كل المدن، ليست القاهرة وحدها.

والله كان يكلمني من ساعة أخونا الشيخ أحمد المحلاوي في الإسكندرية، يقول لي: لو رأيت الناس، لظننت أن الإسكندرية برجالها ونسائها وأطفالها، خرجوا من بيوتهم ليعبروا عن سخطهم على هذا النظام المستبد، ويعبروا عن تجاوبهم مع هؤلاء الشباب الذين أرادوا العدل وكرهوا الظلم، وأرادوا الحق وقاوموا الباطل. هذا ما جعلني أعيش في قضية مصر، وأقدم عدة بيانات في الجزيرة ومن مكتبي.

ومواقفي أصبحت معروفة، أنا ضد النظام، بعض الإخوة يقول لي: ستحرم أن تذهب إلى مصر. فأقول: وإن لم أذهب إلى مصر، ولكني والله عندما يأتي الأوان سأذهب إلى مصر، وليُمسكوا بي إن شاءوا، ماذا سيحدث؟! لقد جربنا السجون والحمد لله، واعتدنا على (البُرش). ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يؤيد الأخوة بنصره.

هؤلاء الشباب الصابرون المصابرون المرابطون، الذين خرجوا احتسابًا لله، وقيامًا لهذا الحق، وقاموا عن الشعب المصري كله، قاموا بفرض الكفاية عن الشعب المصري.

وأسأل الله الهداية لبعض العلماء، الذين التبس عليهم الحق بالباطل، أو آثروا الدنيا على الآخرة.

-----------

*في 4 فبراير 2011م.